أمهات ومناضلات: رحلة المرأة الأحوازية بين الصبر والنضال یوسف الخاقانی


في اليوم العالمي للمرأة، لا يكون الحديث عن المرأة مجرّد احتفاءٍ رمزي، بل هو وقفة تقدير أمام تاريخ من الصبر والعطاء والتضحيات الصامتة. وحين يتعلق الأمر بـ الأحواز، فإن المرأة تتجلى بوصفها ركناً أصيلا في الذاكرة الوطنية والاجتماعية، إذ شاركت في حماية الهوية، وحفظ تماسك الأسرة، ومساندة مجتمعها في أحلك المراحل. لقد جسّدت المرأة الأحوازية نموذجاً متوازنا للقوة؛ قوة تنبع من المسؤولية، ومن القدرة على الجمع بين دورها الإنساني وحضورها المجتمعي.

من بين الأسماء التي خلدها الوجدان الشعبي، تبرز المناضلة فهيمة بدوي المعروفة بـ«أم سلمى»، بوصفها مثالاً للصبر الأسطوري. عاشت سنواتٍ طويلة في السجن، ووضعت ابنتها خلف القضبان في ظروف قاسية، بينما أُعدم زوجها الشهيد علي مطوري. اجتمع عليها ألم الفقد وقسوة الاعتقال ومسؤولية الأمومة، لكنها تحولت إلى رمز للأم التي واجهت المأساة بثبات نادر، فأصبحت قصتها جزءاً من الذاكرة النضالية للأحواز. ُ

وفي مدينة الكورة، سطعت بطولة المناضلة اُمْريكة التي واجهت قوات الأمن دفاعاً عن أبنائها المناضلين حين داهمت القوات الأمنية والحرس منزلها. لم تتراجع أمام الخطر، فاستشهدت داخل بيتها حاملة البندقية، ليتحول المنزل إلى شاهد على شجاعة الأم التي وضعت حياة أبنائها فوق حياتها، وتجسد معنى الأمومة حين تصبح موقفاً بطولياً.

كما برز اسم المناضلة عليا بنت سلمان الكعبي التي ارتبط حضورها بالحراك الاجتماعي والوطني، وأسهمت في تعزيز مشاركة المرأة في الشأن العام، لتكون نموذجاً للمرأة التي جمعت بين المكانة الاجتماعية وروح المسؤولية الوطنية.

ومن صور الصبر الإنساني العميق، تقف سيرة حميدة الحاج أحمد مزرعة التي أفنت سنوات عمرها واقفة أمام أبواب السجون في الأحواز، تترقب خبراً عن أبنائها المعتقلين. لم تكن ناشطةً سياسية بالمعنى التقليدي، لكنها جسدت أسمى معاني الأمومة؛ إذ تحول انتظارها الطويل إلى رمز للصبر، وأصبح حضورها الدائم أمام السجون صورة إنسانية تختصر معاناة الأمهات الأحوازيات.

وفي مدينة عبادان، ارتبط اسم شوشة دريس بذاكرة التضامن المجتمعي خلال أحداث عام 1979، إذ تحوّل منزلها إلى ملجأ آمن للنشطاء، فكانت مثالا للمرأة التي ساندت مجتمعها بالفعل الصامت، بعيداً عن الأضواء.

أما في المجال الثقافي، فتتألق الشاعرة شوكة بنت بستان الشرهانية الطرفية التي حوّلت الشعر الشعبي إلى سجل حي للذاكرة الجماعية. عاشت التهجير والغربة، فجعلت من قصائدها مرآةً لمعاناة شعبها، واشتهرت بفن “النعي الحويزي” الذي تمسكت به نساء الأحواز في التعبير عن الفقد. ومن أشعارها:

في رثاء المرحّلين ومعاناة الفقد:

مريّت أنه لطارف نزلهم

وأنشد غراب البيّن عنهم

أهلنه حموله اشظال منهم

في وصف الغربة وقسوة التهجير:

جلّبت بذيال الغريب

ويكلخ عليّ كلخة الذيب

السكتة هضم والحجي عيب

في التعبير عن ألم الاعتقال والمهانة:

هليّ داخل عدهم المولى

هليّ شاه العجم ما دنكوله

وهسّه دحايس عدّ هذوله

إن هذه الأسماء مجتمعة ترسم صورة المرأة الأحوازية: أماً صابرة، ومناضلة ثابتة، وراعية للأسرة، وحافظة للتراث، ومساندة لمجتمعها في الشدائد. وفي يوم المرأة، تتجدد التحية لكل امرأة أحوازية صنعت من صبرها قوة، ومن ألمها كرامة، ومن حضورها الهادئ أثرا لا يزول، لتبقى شاهداً على أن الأوطان تحفظها إرادة نسائها كما تصونها تضحيات أبنائها.

المصدر: موقع التجمع الأحوازي

أفاتار غير معروف

About الإتحاد الوطني الأحوازي

الإتحاد الوطني الأحوازي هو حركة سياسية تسعى إلى تحقيق حقوق الشعب الأحوازي.
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق