في خضمّ الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، تتداخل العوامل العسكرية والسياسية مع عنصر آخر بالغ الأهمية في معادلة الصراع، وهو النفط والطاقة. فإيران تدرك جيدًا أن قدرتها العسكرية وحدها قد لا تكون كافية لحسم المواجهة أو تغيير مسارها، ولذلك تلجأ إلى أدوات ضغط أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا على المستوى الدولي، وفي مقدمتها سلاح الطاقة.
يُعدّ الشرق الأوسط القلب النابض لسوق الطاقة العالمي، حيث يعتمد الاقتصاد الدولي بدرجة كبيرة على نفط هذه المنطقة، ولا سيما نفط دول الخليج العربي. وفي هذا السياق تحتل الأحواز (خوزستان) موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ تحتوي على ما يُقدّر بأكثر من 80% من احتياطات النفط والغاز في إيران، إلى جانب احتضانها أهم الحقول النفطية والبنية التحتية للطاقة في البلاد. ولذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة لا ينعكس فقط على الاقتصاد الإيراني، بل يمتد تأثيره ليصل إلى أسواق الطاقة العالمية ومنظمة أوبك والتوازنات الاقتصادية الدولية.
ومنذ عام 2024 شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعات كبيرة نتيجة التوترات الجيوسياسية وتعطل بعض الإمدادات في مناطق مختلفة من العالم. وقد وصلت الأسعار في بعض الفترات إلى مستويات قياسية، الأمر الذي زاد من حساسية الأسواق لأي تطور أمني في منطقة الخليج العربي أو في ممرات نقل الطاقة الحيوية.
يدرك النظام الإيراني هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك يحاول استخدام النفط كورقة ضغط سياسية واستراتيجية. فبدلاً من الاكتفاء بالمواجهة العسكرية المباشرة، يسعى إلى توسيع دائرة التوتر في منطقة الخليج، سواء من خلال تهديد منشآت الطاقة أو استهداف ناقلات النفط أو تعطيل الملاحة في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
وقد شهدت المنطقة بالفعل خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث المرتبطة بأمن الطاقة، شملت استهداف منشآت نفطية وتهديدات متكررة للملاحة في الخليج العربي. كما امتدت تداعيات التوترات إلى العراق، الذي يعتمد اقتصاده بشكل كبير على صادرات النفط، الأمر الذي يزيد من حساسية الأسواق العالمية لأي تصعيد عسكري في المنطقة.
انعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق النفط العالمية. فمع بداية التصعيد العسكري ارتفعت أسعار خام غرب تكساس الأمريكي بنحو 8% ليصل إلى أكثر من 72 دولارًا للبرميل، في حين ارتفع خام برنت إلى قرابة 79 دولارًا. ومع استمرار التوترات والهجمات على البنية التحتية للطاقة، ارتفعت الأسعار لاحقًا لتقترب من 90 دولارًا للبرميل في بعض الفترات، وسط مخاوف من فقدان ملايين البراميل يوميًا من الإمدادات العالمية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبرز القضية الأحوازية كعامل قد يصبح أكثر حضورًا في الحسابات الإقليمية والدولية. فالأحواز ليست مجرد منطقة جغرافية داخل إيران، بل هي مركز الثقل النفطي للدولة الإيرانية. ومن هنا فإن أي تطور سياسي أو أمني في هذه المنطقة يمكن أن يؤثر مباشرة في قدرة إيران على إنتاج النفط وتصديره، وبالتالي في توازنات سوق الطاقة العالمي.
إن إبراز القضية الأحوازية في سياق الصراع الحالي قد يمنحها بعدًا جديدًا يتجاوز إطارها القومي أو المحلي. فإذا تم طرح القضية في إطار أمن الطاقة العالمي وحقوق الشعوب الواقعة فوق مناطق الموارد الاستراتيجية، فقد تتحول من قضية إقليمية محدودة إلى ملف يحظى باهتمام دولي أوسع.
كما أن الربط بين أوضاع الشعب العربي الأحوازي – الذي يعيش فوق أكبر الثروات النفطية في إيران وبين سياسات التهميش الاقتصادي والسياسي التي يتحدث عنها ناشطون من المنطقة، يمكن أن يفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين الموارد الطبيعية وحقوق السكان المحليين.
وفي حال استمرار التوترات العسكرية وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، قد تجد القوى الدولية نفسها أكثر اهتمامًا بالاستقرار في المناطق التي تنتج النفط والغاز. وهنا يمكن أن تصبح الأحواز جزءًا من النقاش الأوسع حول مستقبل أمن الطاقة في الخليج العربي.
في النهاية، قد يحاول النظام الإيراني استخدام النفط كسلاح سياسي لفرض معادلات جديدة في الصراع أو لدفع القوى الدولية إلى الضغط من أجل إنهاء الحرب. لكن مثل هذه الاستراتيجية قد تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، إذ يمكن أن تؤدي إلى تدويل الصراع وتوسيع نطاقه بدلاً من احتوائه.
وفي حال تطور التوترات إلى تهديد حقيقي لإمدادات الطاقة العالمية، فقد تجد الدول الصناعية الكبرى نفسها مضطرة إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة لحماية أمن الطاقة العالمي. وعندها قد تتغير الكثير من الحسابات السياسية في المنطقة، وقد تبرز ملفات كانت مهمشة في السابق، من بينها القضية الأحوازية.
