طهران بلا قبطان: هل تغرق السفينة الإيرانية في بحر الفوضى؟

الاتحاد الوطني الأحوازي- تحليل الحدث- خلال الأحداث الأخيرة، أعلنت القيادة الأمريكية عن سقوط طائرة من طراز F-15 في منطقة كهجيلوية وبوير احمد داخل الأراضي الإيرانية، مع فقدان أحد أفراد طاقمها. وعلى إثر ذلك، بدأت القوات الأمريكية عمليات بحث مكثفة عن الطيار، في ظل غموض يحيط بأسباب سقوط الطائرة.

وتركّزت عمليات البحث في مناطق وعرة ضمن إقليم لورستان، والمناطق الجبلية المجاورة. وفي المقابل، أعلن التلفزيون الإيراني أن السلطات رصدت مكافأة مالية لمن يتمكن من القبض على الطيار الأمريكي وتسليمه إليها.

هذا الإعلان دفع أعدادًا من المدنيين إلى التوجه نحو مناطق البحث بإمكانات محدودة، حيث حمل بعضهم أدوات بسيطة كالسكاكين، بينما امتلك آخرون أسلحة خفيفة. وقد اندفعوا نحو الوديان والمواقع التي يُعتقد أن الطائرة سقطت فيها، ما أدى إلى حالة من التوتر والتسابق بين الأهالي للفوز بالمكافأة.

في خضم ذلك، تواجدت أيضًا قوات من الباسيج والحرس الثوري في المنطقة، ما زاد من تعقيد المشهد. ومع استمرار عمليات البحث، تعرّضت بعض هذه التجمعات لإطلاق نار من قبل الطائرات الأمريكية التي كانت تنفذ مهمتها في العثور على الطيار، خشية وصول تلك الحشود إليه.

وقد أسفر ذلك عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين، الذين كانوا في معظمهم غير مجهزين إلا بأسلحة تقليدية بسيطة، في مواجهة قوة عسكرية متفوقة تقنيًا. وفي نهاية المطاف، أعلنت وسائل إعلام أمريكية، نقلًا عن تصريحات للرئيس دونالد ترامب، أن القوات الأمريكية نجحت في إنقاذ الطيار.

في المقابل، يدور جدل واسع داخل إيران حول الجهة المسؤولة عن تعريض المدنيين للخطر، من خلال تشجيعهم على التوجه إلى مناطق العمليات دون اتخاذ تدابير كافية لحمايتهم، أو منعهم من الاقتراب من مواقع شديدة الحساسية. ويرى بعض المراقبين أن هذا القرار ساهم في وقوع الضحايا، في ظل مواجهة غير متكافئة مع قوة عسكرية متقدمة.

المسألة الأهم لا تقتصر على تحميل المسؤولية لما تبقّى من القيادات في إيران، بل تتجاوز ذلك إلى دلالات أعمق تشير إلى حالة من الارتباك في إدارة الحكم، وكأن دفة القيادة باتت أشبه بسفينة تائهة في عرض البحر بلا قبطان واضح. فصدور بيان متلفز عبر التلفزيون الإيراني يتضمن الإعلان عن مكافأة مالية، دون دراسة كافية لتداعياته، يعكس خللًا في تقدير الموقف.

هذا الإعلان دفع مدنيين عُزّل إلى الخروج نحو مناطق خطرة ومواجهة قوة عسكرية متفوقة، ما يطرح احتمالين: إما أن الجهة التي اتخذت القرار تفتقر إلى الفهم الكافي لطبيعة العمليات العسكرية وتعقيداتها، أو أنها كانت تدرك تمامًا خطورة ما تقوم به، ومع ذلك مضت في قرارها لغايات أخرى.

ومن بين هذه الغايات المحتملة، خلق حالة احتكاك مباشر بين المدنيين والقوات الأمريكية، بما يؤدي إلى سقوط ضحايا يمكن استثمارهم إعلاميًا، لإظهار أن الولايات المتحدة تستهدف المدنيين داخل إيران، بدلًا من التركيز على الأهداف العسكرية مثل القواعد أو المنشآت الحيوية. وبهذا، يُعاد توجيه السردية لصالح السلطة، بما يعزز قدرتها على الاستمرار في المواجهة.

غير أن هذا التقدير، إن صح، جاء على حساب أرواح المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة غير متكافئة، نتيجة قرار غير محسوب العواقب، أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي المقابل، يبرز نموذج مختلف في تعامل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث اتسم موقفها بالتحلي بالصبر الاستراتيجي وتجنب الانخراط المباشر في التصعيد، رغم ما تعرضت له من ضغوط أو استفزازات. وقد اعتبر عدد من الكتّاب والباحثين هذا النهج مثالًا على القراءة المتزنة لطبيعة النظام الدولي، والالتزام بقواعده، بما يعكس عقلية دولة حديثة تدير أزماتها بحسابات دقيقة، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الإشكالية لا تتعلق فقط بسلوك سياسي ظرفي، بل بطبيعة النظام الحاكم في إيران، الذي لا يبدو منسجمًا مع مفهوم الدولة العصرية بالمعنى الحديث. فالدولة الحديثة تقوم على نظام داخلي مستقر، وعلى التزام واضح بالنظام الدولي، وفي مقدمته ميثاق الأمم المتحدة وقوانينه، التي تُلزم الدول الأعضاء باحترام سيادة الآخرين، وعدم الاعتداء على الجوار، والامتناع عن أي سياسات توسعية أو تدخلات عسكرية في شؤون الدول المستقلة.

غير أن التجربة الإيرانية الحديثة، منذ تشكّلها، تعكس حالة من الارتهان لقراءات تاريخية وأوهام قومية، استُمدّ بعضها من سرديات ثقافية وأدبية مثل الشاهنامة، ما جعل الدولة أسيرة تصور ماضوي أكثر من كونها منفتحة على منطق الدولة الحديثة ومتطلباتها.

وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي يتضمن فيه الخطاب الإعلامي الإيراني أحيانًا اتهامات ذات طابع استعلائي تجاه شعوب المنطقة، فإن الواقع السياسي يعكس توترات مع محيط متنوع يشمل العرب، والأتراك، والكرد، والأفغان، والبلوش، والتركمان. ورغم أن داخل إيران نفسها توجد مكونات قومية وثقافية متعددة، كان من الممكن – في حال إدارة هذا التنوع بشكل ناضج – أن يتحول إلى عنصر قوة، عبر بناء جسور للتبادل الاقتصادي والثقافي والسياسي مع الامتدادات الإقليمية لهذه المكونات.

فالدولة الحديثة، في مثل هذه الحالة، توظّف تنوعها الداخلي لتعزيز التكامل مع محيطها، لا لتحويله إلى مصدر صراع. وكان بالإمكان أن تصبح إيران نموذجًا لدولة تعددية متطورة، لو تم تبني سياسات منفتحة تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل.

لكن، ووفق هذا التحليل، فإن مسار الحكم – سواء في العهد الملكي خلال حكم رضا شاه بهلوي وابنه محمد رضا بهلوي، أو بعد قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني ثم علي خامنئي – ظل، أسير رؤى أيديولوجية أو قومية ضيقة، ولم ينجح في بناء نموذج دولة متوازنة ومستقرة منسجمة مع محيطها.

وفي هذا السياق، تُصوَّر الحالة الإيرانية الراهنة وكأنها “سفينة تائهة” في بيئة إقليمية ودولية معقدة، تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، مما يجعلها تشكل تهديدًا مضاعفًا ليس فقط لمكوناتها الداخلية، بل أيضًا للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. ومن هنا يبرز نقاش أوسع حول كيفية تعامل المجتمع الدولي مع هذه الوضعية، سواء عبر الضغط السياسي، أو دعم حلول تضمن الاستقرار، أو دراسة النموذج اليوغسلافي لتفكيك الدولة، الذي أنهى النزاعات والحروب في منطقة البلقان، وشغّل شعوبها في عملية الإعمار والتنافس من أجل التقدم الحضاري والإنساني، أو الدفع نحو نماذج حكم أكثر تعددية ولا مركزية، تكفل حقوق مختلف المكونات، وتمنح الشعوب – بما فيها الشعب الفارسي نفسه – فرصًا أوسع للعيش بكرامة ضمن نظام أكثر توازنًا وانفتاحًا.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑