هل يكفي إيران خلع الأسنان ، لتكون عظيمة كاليابان؟ / علي نعمة

لطالما تباهى المستفيدون من خيرات إيران بقوة إيران العسكرية لأنها تتواجد خارج حدودها. طبعًا، هؤلاء المستفيدون جميعهم مصنفون كمنظمات إرهابية في القوائم الأمريكية والأوروبية والعالمية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت هذه القوة مجدية ومفيدة لنظام الجمهورية الإسلامية؟
وهل شكلت عامل ردع يحمي هذا النظام من الضربات المميتة التي يتلقاها في هذه الأيام؟
وهل التوسع عبر الأيديولوجيا والقوة العسكرية يفيد الشعوب التي ترزح تحت وطأة الفقر المهين في إيران؟


لقد أدى هذا الواقع المرير إلى ظهور الهتاف الذي إتفقت عليه جميع الشعوب في إيران: «نه غزة، نه لبنان، جانم فداي إيران» أي: لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران. هذا الشعار بالنسبة للفرد الذي عاش ويعيش تحت حكم الجمهورية الإسلامية، هو شعار إقتصادي بامتياز؛ فهو يعبر عن رفض القوة العسكرية التي كان يتفاخر بها النظام الإسلامي و رجاله وحاشيتهم، وكذلك المستفيدون منه ماديًا وعسكريًا، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، والحوثيين في اليمن، والميليشيات المسلحة الموالية لنظام طهران في العراق.
إن الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية التي فقدت شرعيتها داخليًا من جهة أخرى، أثبت أن الإستراتيجيات الأيديولوجية والعسكرية المعتمدة في طهران أضعف مما كانت تُصوَّر، وأنها قائمة على أساس هش ينهار بسرعة عندما يواجه قوة تستند إلى إقتصاد قوي ومتين. فالقوة الحقيقية تقوم على إقتصاد متماسك ونظام سياسي يحترم الإنسان وحريته الشخصية، ويوفر له حياة كريمة ويضمن حقوقه الوطنية.
تشير بعض الدراسات إلى أن إنفاق نظام الجمهورية الإسلامية العسكري في عام 2025 تجاوز 23 مليار دولار في سنة واحدة فقط. ومن المعروف أن الحرس الثوري الإيراني يسيطر على جزء كبير من الإقتصاد الإيراني، وأن قسماً مهماً من تمويله يأتي من عائدات بيع النفط، إضافةً إلى الميزانية التي يحصل عليها سنويًا من الحكومات الإيرانية المتعاقبة، سواء كانت إصلاحية أم أصولية. وقد أُنفقت هذه الأموال الطائلة على صناعة الصواريخ، وتخصيب اليورانيوم، كما ذهب جزء كبير منها إلى دعم الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط وإلى النشاطات الأيديولوجية في مناطق مختلفة من العالم. وفي الوقت نفسه، كانت الشعوب في إيران وما زالت تعاني من الفقر الشديد وتدهور الأوضاع المعيشية.

فما هو الحل؟

يرى كثيرون أن الحل الذي يمكن أن يرضي هذه الشعوب هو إيران بلا أسنان؛ أي إيران منزوعة السلاح، على غرار ألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي أنهك فيها الإنفاق العسكري والتوسع إقتصاد هاتين الدولتين وتسببا لهما في الهزيمة والدمار. خرجت اليابان عام 1945 منهكة ومدمرة من الحرب العالمية الثانية. كانت البلاد منهارة عسكريًا وإقتصاديًا، و لا تمتلك صناعة ولا زراعة . لكن بعد إبتعادها عن العسكرة وتركيزها على الصناعة والزراعة والتجارة، حدث ما عُرف لاحقًا بالمعجزة الإقتصادية اليابانية. فقد أصبحت اليابان دولة عظيمة إقتصاديًا تنعم بالسلام والأمان، وأصبح شعبها من بين أكثر شعوب العالم رفاهيةً.
إحدى الخطوات الكبرى التي إتخذتها اليابان كانت إقرار دستور جديد عام 1947 يرسخ مبادئ الديمقراطية والإستقرار السياسي. وقد حدّ هذا الدستور من التوسع العسكري ووجه الموارد الإقتصادية نحو إعادة البناء والتنمية. وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت اليابان مسيرتها نحو المعجزة الإقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية وزراعية واسعة. فقد جرى توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين بعد أن كانت بيد الإقطاعيين وكبار الملاك، مما أدى إلى زيادة الإنتاج الزراعي ورفع مستوى المعيشة وخلق قاعدة اجتماعية مستقرة. كما تم تفكيك التكتلات الاقتصادية الاحتكارية المعروفة باسم «الزايباتسو»، وفتح المجال أمام ظهور شركات جديدة قادرة على المنافسة وفق مبادئ الإقتصاد الحديث المتوافق مع الإقتصاد العالمي. وكان للدعم الأمريكي دوراً كبيراً في نجاح اليابان الجديدة؛ فقد قدمت الولايات المتحدة مساعدات مالية وتقنية، كما فتحت الأسواق الأمريكية والعالمية أمام المنتجات اليابانية. وكان لذلك دوراً أساسياً في ظهور المعجزة الإقتصادية اليابانية. ولولا إتّباع اليابانيين سياسة «اليابان بلا أسنان»، أي الإبتعاد عن العسكرة وتقليل الإنفاق العسكري الذي يهدر الأموال والطاقات والأرواح، ولولا تركيزهم على بناء الإنسان والأوطان ، لما شهد العالم عظمة اليابان .

إن الخطوات التي قادت اليابان إلى عظمتها الإقتصادية والتكنولوجية والصناعية كثيرة ومتعددة، غير أن الطبيعة السكانية والعرقية والجغرافية لليابان أسهمت في تكوين شعب يكاد يكون متجانسًا إلى حدٍّ كبير. أما في إيران فالوضع يختلف اختلافًا جوهريًا، إذ تضم البلاد شعوبًا متعددة، لكل منها جغرافية خاصة و منعزلة كليًا عن غيرها. وإذا أخذنا الأحواز مثالًا، فنجد أنها تمثل جغرافية عربية منبسطة و سهلة، وفي بعض مناطقها ساحلية، تفصلها عن كردستان وبلاد فارس جبال زاغروس. وقد كانت الأحواز إمارة مستقلة، ولم ترتبط ببلاد فارس إلا في فترات محدودة كان الطرفان يتحدان فيها عسكريًا لمواجهة التمدد العثماني. وكذلك الحال بالنسبة إلى الشعوب الأخرى، مثل الشعب البلوشي والتركي والكردي والفارسي، إذ يمتلك كلٌ منها خصوصياته الجغرافية والعرقية والثقافية، واللغوية، فضلًا عن حدوده التاريخية المعروفة. ولا شك أن إيران تحتاج إلى تبنّي الخطوات التنموية التي أوصلت اليابان إلى أن تكون معجزة في مختلف المجالات، غير أن هذه الخطوات على أهميتها قد لا تكون كافية في الحالة الإيرانية ما لم تُعالَج إشكالية الشعوب داخل البلاد، وهي الإشكالية التي تفاقمت نتيجة ما تعرّضت له تلك الشعوب من سياسات تمييز و إضطهاد خلال عهدي الدولة البهلوية والجمهورية الإسلامية.

واليوم، تنتظر الشعوب في إيران بفارغ الصبر إنتصار الولايات المتحدة الامريكية و دولة إسرائيل على الجمهورية الإسلامية، آملين أن تبدأ مرحلة جديدة تستطيع فيها هذه الشعوب توجيه مواردها نحو التنمية الإقتصادية وبناء أقاليم حديثة و متطورة و حرة. وحينها قد يشهد العالم ظهور معجزات إقتصادية جديدة .

الاتحاد الوطني الأحوازي لا يتحمل أي مسؤولية عن الآراء الواردة اعلاه ويتحمل الكّتاب كامل المسؤولية عن الكتابات التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكية أو حقوق الاخرين

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑