الذكرى السنوية لمجزرة الأربعاء الأسود في المحمرة 1979

في الثلاثين من مايو/أيار من كل عام، يستحضر أبناء الشعب العربي الأحوازي واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخهم المعاصر، وهي مجزرة المحمرة المعروفة في الذاكرة الوطنية الأحوازية باسم “الأربعاء الأسود”. وقد شكلت هذه المجزرة، التي وقعت عام 1979 في الأشهر الأولى التي أعقبت الثورة الإيرانية، نقطة تحول عميقة في العلاقة بين السلطة الجديدة في طهران وبين الجماهير العربية التي كانت تتطلع إلى مرحلة جديدة من العدالة والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية والسياسية.

ولا تمثل هذه الذكرى مجرد استعادة لأحداث دامية سقط فيها المئات من الضحايا، بل تعبر أيضاً عن استذكار مرحلة كاملة من النضال الشعبي والسياسي الذي خاضه العرب الأحوازيون من أجل انتزاع حقوقهم المشروعة والحفاظ على هويتهم الوطنية والثقافية. ولذلك أصبحت مجزرة المحمرة رمزاً للصمود والتضحية، وعنواناً مركزياً في الذاكرة الجماعية للأحوازيين الذين ما زالوا يرون فيها شاهداً على حجم المعاناة التي تعرض لها شعبهم منذ عقود.

الأحواز بعد الثورة الإيرانية: آمال كبيرة وتحديات مبكرة

عندما انهار نظام الشاه مطلع عام 1979، سادت أجواء من التفاؤل بين مختلف القوميات غير الفارسية داخل إيران. فقد اعتقد العرب والأكراد والبلوش والتركمان والأذريون أن الثورة ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، وأن زمن التهميش والإقصاء الذي ساد في العقود السابقة قد انتهى.

في الأحواز برز نشاط سياسي وثقافي واسع النطاق. فقد تشكلت منظمات وجمعيات وهيئات سياسية ومدنية عديدة، كان هدفها الأساسي المطالبة بالحقوق القومية والثقافية والاقتصادية للشعب العربي. ومن بين هذه المؤسسات منظمات سياسية ومراكز ثقافية وجمعيات دينية ومهنية سعت جميعها إلى العمل العلني والسلمي في ظل أجواء ما بعد الثورة.

وقد أكدت تلك التنظيمات مراراً أن مطالبها تتمحور حول الاعتراف بالهوية العربية، ورفع التمييز، وتحقيق المشاركة السياسية العادلة، وضمان الحريات الثقافية والإعلامية، إضافة إلى المطالبة بأشكال من الإدارة الذاتية التي تمكن أبناء الإقليم من إدارة شؤونهم المحلية.

وتشير الشهادات الواردة في المصادر إلى أن عدداً من التنظيمات السياسية عمد إلى تعديل أسمائه وشعاراته لتأكيد التزامه بالنضال السلمي والعمل الجماهيري، في محاولة لنفي الاتهامات التي كانت توجه إليه بالسعي إلى العمل العسكري أو الانفصال.

المطالب العربية والحوار مع القيادة الجديدة

في تلك المرحلة جرى إرسال وفود عربية إلى طهران وقم لعرض مطالب الشعب العربي الأحوازي على القيادة الجديدة. وتمحورت تلك المطالب حول عدد من القضايا الأساسية، أبرزها:

الاعتراف بالحقوق القومية للعرب وسائر القوميات.

احترام الخصوصية الثقافية واللغوية.

توسيع الحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام.

إنهاء التمييز السياسي والاقتصادي.

محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة.

منح الإقليم شكلاً من أشكال الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية.

إعادة الاعتبار للهوية التاريخية للإقليم.

وقد نقلت المصادر أن الوفود العربية تلقت وعوداً إيجابية من القيادة السياسية والدينية آنذاك، وأن تلك المطالب وُصفت بأنها مطالب عادلة ومشروعة. كما جرى تكليف شخصيات دينية بمتابعة الملف ومحاولة إيجاد حلول سياسية للأزمة المتصاعدة. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت وجود فجوة كبيرة بين الوعود المعلنة وما جرى تنفيذه على الأرض.

الشيخ محمد طاهر الخاقاني ودوره في الدفاع عن الحقوق العربية

برز آية الله الشيخ محمد طاهر الخاقاني كأحد أبرز الشخصيات الدينية والاجتماعية في الأحواز خلال تلك المرحلة. فقد تمتع بمكانة كبيرة بين أبناء المنطقة، وعُرف بمواقفه المؤيدة للمطالب الشعبية والداعية إلى العدالة والمساواة.

لم يكن الخاقاني مجرد مرجع ديني، بل كان شخصية وطنية لعبت دوراً سياسياً واجتماعياً مؤثراً. وقد تبنى مطالب أبناء الأحواز، وطالب بإنهاء التمييز الواقع عليهم، كما دعا إلى احترام حقوق القوميات المختلفة داخل إيران. كما ركز على أهمية الحريات العامة، وحقوق الأقليات الدينية، وضرورة قيام قضاء عادل يحاسب مرتكبي الجرائم والانتهاكات بعيداً عن الاعتبارات القومية أو السياسية. وقد جعلته هذه المواقف في مواجهة مباشرة مع القوى التي كانت ترى في المطالب العربية تهديداً لمركزية الدولة الجديدة.

تصاعد التوترات والتحضير للمواجهة

مع اتساع النشاط السياسي والثقافي العربي، بدأت حملات التحريض ضد الأحوازيين تتصاعد. وتشير الوثائق والشهادات الواردة في المصادر إلى أن تقارير عديدة رُفعت إلى الجهات الرسمية، صورت النشاط العربي على أنه مشروع انفصالي مدعوم من الخارج. كما تعرضت المراكز الثقافية والسياسية العربية لحملات تشويه متواصلة، وجرى تصويرها باعتبارها بؤراً تهدد أمن الدولة ووحدة البلاد.

وفي الوقت نفسه كانت السلطات المحلية، بقيادة المحافظ العسكري أحمد مدني، تتجه نحو الحل الأمني بدلاً من الحل السياسي. وتذكر المصادر أن مدني طلب صلاحيات استثنائية واسعة قبل وقوع الأحداث بفترة، وأنه كان يعد لخطة عسكرية تهدف إلى إنهاء الحراك العربي بالقوة.

الأربعاء الأسود: بداية المجزرة

في فجر الثلاثين من مايو/أيار 1979 بدأت العملية العسكرية التي ستدخل التاريخ باسم “الأربعاء الأسود”. فبعد ساعات قليلة فقط من لقاءات ووعود التهدئة التي جرت مع بعض الوسطاء، تعرضت مدينة المحمرة لهجوم واسع شاركت فيه القوات البحرية ووحدات الجيش والميليشيات المسلحة الموالية للسلطة.

بدأت المدفعية بإطلاق القذائف على مناطق مختلفة من المدينة، فيما تعرضت المراكز الثقافية والسياسية العربية للحصار والهجوم المباشر. وسرعان ما تحولت شوارع المحمرة إلى ساحات مواجهة دامية. وبحسب الشهادات الواردة، لم تقتصر العمليات على استهداف الناشطين أو المراكز السياسية، بل امتدت إلى المدنيين العزل الذين وجدوا أنفسهم وسط نيران كثيفة لم تميز بين رجل وامرأة أو بين شيخ وطفل.

استهداف المدنيين والبعد الإنساني للمأساة

تُعد الروايات الإنسانية المرتبطة بالمجزرة من أكثر الجوانب تأثيراً في الذاكرة الأحوازية. فقد تحدثت الشهادات عن إطلاق النار على المارة وأصحاب المحال التجارية والعمال الذين كانوا يتجهون إلى أعمالهم في ساعات الصباح الأولى. كما جرى استهداف القوارب التي كانت تنقل العمال والموظفين عبر شط العرب، الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا وغرق آخرين.

ومن بين القصص التي بقيت حاضرة في الذاكرة قصة الطفل عباس بن صبري، الذي خرج قبل شروق الشمس لمساعدة أسرته من خلال غسل السيارات. وبينما كان يسعى لكسب لقمة العيش، أصابته رصاصة في رأسه خلال الهجوم. وقد تحولت قصته إلى رمز لمعاناة الأطفال الأبرياء الذين دفعوا ثمن الصراع السياسي.

كما تحدثت الشهادات عن مقتل نساء وكبار سن داخل الأحياء السكنية، وعن مشاهد مأساوية عاشتها العائلات وهي تبحث عن أبنائها بين المستشفيات والشوارع ومراكز الاحتجاز.

ثلاثة أيام من الدم والحصار

استمرت العمليات العسكرية ثلاثة أيام متواصلة. وخلال هذه الفترة فُرض حصار كامل على المدينة، وتعرضت الأحياء السكنية والمراكز المدنية لإطلاق نار كثيف. كما جرت حملات مداهمة واسعة للمنازل واعتقال المئات من الشباب.

وتشير التقديرات الواردة في المصادر إلى سقوط ما يقارب أربعمائة قتيل وآلاف الجرحى، في حين تحدثت الشهادات عن العثور على عشرات الجثث الطافية في شط العرب بعد انتهاء العمليات. وبغض النظر عن التفاوت في تقديرات الأعداد، فإن جميع الروايات تتفق على أن ما جرى في المحمرة كان من أكثر الأحداث دموية التي شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة.

الميليشيات المسلحة ودورها في الأحداث

لعبت الميليشيات الموالية للسلطة دوراً أساسياً في العمليات الميدانية. فقد شاركت هذه التشكيلات في تطويق الأحياء، ومهاجمة المراكز الثقافية، وتنفيذ حملات الاعتقال، إضافة إلى المداهمات التي طالت مئات المنازل. كما ارتبط اسم محمد جهان آراء بقيادة بعض هذه المجموعات المسلحة التي شاركت في العمليات ضد المحتجين العرب في المحمرة وعبادان. وتشير المصادر إلى أن هذه الميليشيات أسهمت بصورة مباشرة في ترسيخ الطابع الدموي للأحداث من خلال استهدافها للمدنيين والمؤسسات المدنية.

الإعلام الدولي وكسر الحصار

على الرغم من الحصار الذي فرض على المدينة، تمكنت أخبار المجزرة من الوصول إلى وسائل الإعلام الدولية. فقد تناولت وكالات أنباء وصحف وإذاعات عالمية التطورات في المحمرة، ونقلت شهادات عن حجم الخسائر البشرية والمطالب السياسية التي رفعها المحتجون.

وساعدت هذه التغطية في نقل القضية الأحوازية إلى الرأي العام الخارجي، كما شكلت خطوة مهمة في توثيق الأحداث وحفظها في السجل التاريخي. وفي الوقت ذاته سعت التنظيمات السياسية الأحوازية إلى تدويل القضية من خلال التوجه إلى الأمم المتحدة والمنظمات القانونية والحقوقية الدولية، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي وقعت.

استهداف المرجعية العربية

لم تتوقف الأحداث عند حدود المجزرة. فقد تعرض الشيخ محمد طاهر الخاقاني لاحقاً لحملة واسعة انتهت باقتحام منزله واعتقاله ونقله قسراً إلى مدينة قم، حيث وُضع تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته.

ويرى كثير من الباحثين والناشطين الأحوازيين أن هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء أمني، بل جاءت ضمن سياق أوسع هدف إلى إضعاف المرجعيات العربية المستقلة وإنهاء تأثيرها في المجتمع الأحوازي. كما تعرض عدد من المقربين من الشيخ الخاقاني وأنصاره للملاحقة والاعتقال، في حين واجه شقيقه الشيخ عيسى الخاقاني ضغوطاً كبيرة بعد مواقفه العلنية المنتقدة لما حدث.

الانقسام الديني والسياسي

كشفت الأحداث أيضاً عن وجود انقسامات داخل المشهد الديني والسياسي في الأحواز. فبينما وقف الشيخ محمد طاهر الخاقاني إلى جانب المطالب الشعبية، اتخذت شخصيات أخرى مواقف مختلفة، بعضها اتسم بالتقارب مع السلطة المركزية.

وقد أسهمت هذه الانقسامات في تعقيد المشهد، كما استُخدمت أحياناً لإضعاف وحدة الحركة المطالبة بالحقوق العربية. ومع مرور الوقت تمكنت السلطة من إعادة تشكيل الخريطة الدينية والسياسية في الإقليم بما يضمن إحكام سيطرتها على المؤسسات المؤثرة.

أثر المجزرة في الوعي الوطني الأحوازي

لم تكن مجزرة المحمرة حدثاً عابراً في التاريخ الأحوازي، بل أصبحت نقطة تأسيسية في الوعي الوطني الحديث. فالأجيال التي جاءت بعد عام 1979 نشأت على قصص الضحايا والشهداء والمعتقلين والمنفيين، وعلى الروايات التي تناقلتها العائلات عن تلك الأيام الدامية. وأصبحت ذكرى الأربعاء الأسود مناسبة سنوية لاستحضار قيم الصمود والتضحية والتمسك بالهوية الوطنية.

كما تحولت أسماء الضحايا والناشطين الذين سقطوا خلال الأحداث إلى رموز تستحضرها الذاكرة الجماعية بوصفها شواهد على حجم التضحيات التي قدمها الشعب الأحوازي.

النضال الأحوازي بين الذاكرة والمستقبل

على مدى العقود التالية، بقيت القضية الأحوازية حاضرة في وجدان أبنائها رغم التحديات الكبيرة. وتنوعت أشكال النضال بين العمل السياسي والحقوقي والإعلامي والثقافي، فيما استمرت المطالب المرتبطة بالهوية والحقوق المدنية والثقافية والسياسية حاضرة في الخطاب الأحوازي.

كما لعبت الذاكرة التاريخية للمجزرة دوراً مهماً في الحفاظ على استمرارية القضية، إذ ظلت تذكّر الأجيال الجديدة بحجم المعاناة التي عاشها أسلافهم وبأهمية مواصلة الدفاع عن الحقوق المشروعة بالوسائل السلمية والقانونية.

من ذاكرة الألم إلى أفق الأمل

بعد سبعة وأربعين عاماً تقريباً على أحداث المحمرة، ما زالت ذكرى الأربعاء الأسود حية في ضمير الشعب العربي الأحوازي. إنها ذكرى تختلط فيها مشاعر الحزن بالفخر، والألم بالكرامة، والدموع بالإصرار على البقاء.

إن استذكار الضحايا لا يعني البقاء أسرى للماضي، بل يعني تحويل الذاكرة إلى قوة أخلاقية تدفع نحو مستقبل أفضل. فالشعوب التي تحفظ تاريخها وتوثق معاناتها وتتمسك بحقوقها تمتلك القدرة على مواصلة الطريق مهما كانت التحديات.

ومن رحم المآسي الكبرى تولد أحياناً أعظم إرادات الصمود. ولذلك فإن أبناء الأحواز، وهم يحيون ذكرى شهداء المحمرة وسائر ضحايا العقود الماضية، يستحضرون أيضاً إيمانهم بحقهم في الحرية والكرامة والعدالة والمشاركة في تقرير مستقبلهم.

ويبقى الأمل حاضراً بأن تنال جميع الشعوب حقوقها المشروعة وفق مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وأن يتمكن الشعب العربي الأحوازي من التعبير عن إرادته وتقرير مصيره بحرية، بعيداً عن القهر والتمييز والاحتلال، في إطار مستقبل تسوده الكرامة الإنسانية والسلام والإنصاف.

فالحقوق قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم، والذاكرة قد تُحاصر، لكنها لا تموت، والشعوب التي تتمسك بهويتها وكرامتها قادرة دائماً على صناعة فجرها مهما طال الليل.

اللجنة الاعلامية – الاتحاد الوطني الأحوازي

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑