ولاية الفقيه: مسار تحوّل السلطة الدينية إلى نظام حكم في إيران-(3-3)/بقلم: حبيب قاسم،كاتب وباحث أحوازي

خامنئي المرشد وترسيخ سلطته المركّزة

عندما تولى علي خامنئي منصب المرشد الأعلى في يونيو 1989، لم يكن أمامه نظام سياسي مستقر تمامًا، بل منظومة خرجت حديثًا من مرحلة الخميني وكانت لا تزال تبحث عن توازن بين المؤسسات المنتخبة ومؤسسة ولاية الفقيه.

ومع مرور السنوات، ترسخ موقع المرشد باعتباره مركزًا ثابتًا للسلطة السياسية، بينما بقيت الرئاسة والبرلمان خاضعين للمنافسة الانتخابية والتغير بين التيارات السياسية المختلفة.

في البداية، كان خامنئي أقل مكانة دينية من الخميني، ولذلك اعتمد بدرجة كبيرة على بناء شبكة من المؤسسات والأجهزة والقوى السياسية والعسكرية التي عززت نفوذ مؤسسة المرشد. وكان الحرس الثوري من أبرز هذه المؤسسات.

ومع مرور الوقت، لم يعد دوره مقتصرًا على حماية النظام والثورة، بل أصبح لاعبًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا مؤثرًا.

المرشد فوق الرئاسة والانتخابات

من أهم خصائص النظام الذي ترسخ في عهد خامنئي أن الرئيس، رغم انتخابه مباشرة من الشعب، لا يمثل أعلى سلطة في الدولة. فالمرشد يمتلك صلاحيات دستورية واسعة في القضايا الاستراتيجية، ولا سيما السياسة العامة والدفاع والقوات المسلحة وبعض الملفات الأمنية والسياسية الكبرى.

وقد ظهر ذلك في العلاقة بين المرشد والرؤساء المتعاقبين. فقد شهد عهد خامنئي وصول رؤساء ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة، من هاشمي رفسنجاني إلى محمد خاتمي ثم محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني وصولًا إلى إبراهيم رئيسي. لكن تغير الرئيس لم يكن يعني تغير موقع مؤسسة القيادة؛ إذ بقي المرشد في موقع ثابت، بينما تغيرت الحكومات والاتجاهات السياسية الفائزة في الانتخابات.

تجربة الإصلاحيين

كان وصول محمد خاتمي إلى الرئاسة عام 1997 لحظة مهمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد حصل على دعم شعبي واسع، ورفع شعارات تتعلق بسيادة القانون والمجتمع المدني وحرية الصحافة.

لكن حكومة خاتمي اصطدمت تدريجيًا بمؤسسات غير منتخبة، وعلى رأسها مجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية والمؤسسات الأمنية. وأُغلقت صحف إصلاحية، وتعرض عدد من الصحفيين والسياسيين للملاحقة.

وأظهرت هذه المرحلة أن الفوز في الانتخابات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير بنية النظام بأكملها، لأن الرئيس والبرلمان يعملان داخل منظومة أوسع توجد فيها مؤسسات أخرى تملك أدوات دستورية وسياسية مؤثرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمنصب المرشد.

الحرس الثوري: من القوة العسكرية إلى لاعب سياسي

ومع مرور الوقت، ازداد نفوذ الحرس الثوري في الحياة السياسية والاقتصادية. فقد أصبح يمتلك حضورًا واسعًا في قطاعات اقتصادية مهمة، كما أصبح له دور مؤثر في السياسة الخارجية والأمنية.

وبذلك نشأ نوع من التداخل بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية والاقتصاد. وأصبح الحرس الثوري أحد أهم المؤسسات المؤثرة في النظام، إلى جانب المؤسسات الدينية والأمنية المرتبطة بمؤسسة المرشد.

وهذا التطور مهم لفهم كيفية ممارسة السلطة في إيران، فالمرشد لا يمارس نفوذه فقط من خلال المواد الدستورية وولاية الفقيه المطلقة، وإنما أيضًا من خلال شبكة واسعة من المؤسسات والأجهزة التي ترتبط بمؤسسة القيادة بدرجات مختلفة.

انتخابات 2009: نقطة تحول

كانت انتخابات الرئاسة عام 2009 واحدة من أكبر الأزمات السياسية في عهد خامنئي. فقد أُعلن فوز محمود أحمدي نجاد، بينما اتهم المرشحان الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي السلطات بالتلاعب في الانتخابات.

خرجت احتجاجات واسعة عُرفت باسم «الحركة الخضراء»، ورفع المتظاهرون مطالب بإعادة النظر في نتائج الانتخابات.

وكان موقف خامنئي حاسمًا؛ فقد دعم نتائج الانتخابات ورفض الدعوات إلى إلغائها، ثم واجهت السلطات الاحتجاجات بإجراءات أمنية واسعة. ووضع موسوي وكروبي لاحقًا قيد الإقامة الجبرية.

ومثلت أحداث 2009 مرحلة مهمة في العلاقة بين مؤسسة المرشد والمنافسة الانتخابية، إذ أظهرت أن نتائج الانتخابات الرئاسية يمكن أن تتحول إلى أزمة مباشرة بين المؤسسات السياسية والقيادة الدينية، وأن المؤسسات الأمنية والعسكرية يمكن أن تلعب دورًا في حماية النظام عندما ترى القيادة أن استقراره مهدد.

كما أن نفوذ مؤسسة المرشد لا يقتصر على ما يحدث بعد الانتخابات، بل يمتد إلى الإطار الذي تجري داخله المنافسة الانتخابية. فمجلس صيانة الدستور، الذي يملك سلطة فحص أهلية المرشحين، أصبح عاملًا أساسيًا في تحديد طبيعة المنافسة الانتخابية.

وهكذا أصبحت الانتخابات تجري ضمن إطار تحدده أيضًا قرارات مجلس صيانة الدستور، الذي يرتبط جزء أساسي من تشكيله بمؤسسة المرشد. وبالرغم من أن الناخب يستطيع الاختيار بين المرشحين الذين يُسمح لهم بالمشاركة، فإن هؤلاء المرشحين يجب أولًا أن يحصلوا على موافقة المؤسسات المختصة على أهليتهم.

وبهذه الطريقة يجمع النظام بين الانتخاب والرقابة الدستورية والدينية والسياسية في الوقت نفسه.

من السلطة الدستورية الموسعة إلى الهيمنة الفعلية

وهكذا، خلال أكثر من ثلاثة عقود من قيادة خامنئي، لم تعد المسألة مجرد صلاحيات مكتوبة في المادة 110 من الدستور. فقد تراكمت حول منصب المرشد شبكة من المؤسسات السياسية والعسكرية والقضائية والإعلامية والاقتصادية.

وأصبح المرشد عمليًا نقطة التقاء مهمة لهذه الشبكة.

وهنا يظهر الفرق بين ولاية الفقيه كنظرية وولاية الفقيه كنظام للحكم. فالنظرية تتحدث عن سلطة الفقيه، أما النظام الذي نشأ في إيران تدريجيًا فقد بنى حول هذه السلطة مؤسسات وأجهزة تجعل مؤسسة المرشد قادرة على التأثير في معظم المجالات الأساسية للدولة.

ومن ثم، فإن فهم «السلطة المطلقة» في إيران لا يعني القول إن المرشد يتخذ كل قرار بنفسه، أو أن جميع مؤسسات الدولة تفتقر إلى الاستقلال بشكل مطلق، بل يعني أن مركز السلطة الأعلى لا يخضع للمنافسة أو المناقشة المباشرة، وأن المرشد يمتلك أدوات دستورية وغير دستورية وسياسية واسعة للتأثير في المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة على حد سواء، وهذا يجعل من منصب المرشد أعلى سلطة دينية بلا منافس في البلاد.

وهكذا اكتمل تدريجيًا انتقال ولاية الفقيه من فكرة فقهية إلى نظام سياسي يتمحور حول مؤسسة المرشد؛ وهي العملية التي بدأت مع إدخال النظرية في دستور 1979، ثم تعززت بتوضيح مفهوم ولاية الفقيه المطلقة في أواخر عهد الخميني، وتكرست بصورة أكبر مع تعديل الدستور عام 1989، ثم توسعت عمليًا خلال سنوات حكم خامنئي، لتتحول تدريجيًا إلى سلطة شديدة التركّز تمتلك أدوات واسعة للتأثير في مختلف مفاصل الدولة ومؤسساتها.

وبذلك لم تعد ولاية الفقيه مجرد نظرية حول دور الفقيه في زمن الغيبة في الفقه الشيعي الحديث، بل أصبحت أساسًا لنظام سياسي يجعل المرشد في قمة هرم السلطة، فوق المؤسسات المنتخبة من حيث موقعه الدستوري، ومتمتعًا بصلاحيات وأدوات واسعة في مجالات السياسة والجيش والقضاء والإعلام والانتخابات، رغم استمرار وجود مؤسسات ذات طابع جمهوري وانتخابي في النظام السياسي الإيراني الحالي. وقد تكرّس هذا البناء السلطوي، الدستوري وغير الدستوري، على مدى عقود، ولا يزال قائمًا حتى يومنا هذا، في ظل قيادة ومرشد جديد لم يظهر إلى العلن حتى الآن منذ توليه القيادة، وذلك عقب مقتل أبيه، المرشد السابق.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑