
لم تعد التحديات التي تواجه دول الخليج العربي مرتبطة فقط بالتهديدات العسكرية التقليدية أو بالتوترات العابرة في المنطقة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال استراتيجي أعمق: هل تستطيع دول الخليج الاستمرار في الاعتماد على القوى الغربية لضمان أمنها واستقرارها، أم أن المرحلة الجديدة تفرض عليها بناء منظومة توازن إقليمي مستقلة وأكثر فاعلية؟
لقد كشفت السنوات الأخيرة، بما فيها موجات التصعيد الإقليمي والهجمات التي طالت منشآت الطاقة والمطارات والبنى التحتية، أن الاعتماد الكامل على المظلة الغربية لم يعد كافياً فالغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة يتعامل مع أمن الخليج وفق حسابات المصالح المتغيرة وليس وفق التزامات ثابتة ودائمة. وعندما تتعارض أولويات القوى الكبرى مع احتياجات الأمن الخليجي تجد دول المنطقة نفسها أمام فراغ استراتيجي خطيرفي المقابل حاولت بعض الدول الخليجية انتهاج سياسة التهدئة مع إيران عبر الحوار والاتفاقات الدبلوماسية على أمل تخفيض مستوى التوتر وحماية الاقتصاد والتنمية إلا أن التجربة أثبتت أن سياسة المجاملة وحدها لا تكفي لبناء استقرار طويل الأمد لأن المشكلة لا ترتبط فقط بالخلافات السياسية بل بطبيعة المشروع الإقليمي الإيراني القائم على توسيع النفوذ واستخدام أدوات الضغط غير التقليدية عبر الشبكات المسلحة والامتدادات العقائدية في المنطقة.
إن الاستمرار في سياسة استجداء الأمن من الخارج أو محاولة شراء الاستقرار عبر التنازلات السياسية لا يمكن أن يؤسس لتوازن دائم فالاستقرارالحقيقي لا يُمنح بل يُبنى عبر امتلاك عناصر القوة الذاتية: سياسياً، واقتصادياً وأمنياً وإعلامياً لهذا، تبدو الحاجة ملحّة أمام دول الخليج للانتقال من مرحلة إدارة الخطر إلى مرحلة إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وهذا لا يعني الدعوة إلى الحرب أو التصعيد المباشر مع إيران بل إلى بناء استراتيجية ردع ذكية تمنع تحويل الخليج إلى ساحة ابتزاز دائم.
ومن أبرز الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام دول الخليج اليوم إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي نفسه فبدلاً من حصر الأمن في شراء الأسلحة أو الاعتماد على القواعد الأجنبية ينبغي تطوير سياسة نفوذ متكاملة تعتمد على بناء شراكات إقليمية جديدة وتوسيع العمق الجيوسياسي الخليجي في المناطق المتاخمة لإيران خصوصاً الساحل الشرقي للخليج العربي وشماله .
ومن بين المسارات الاستراتيجية التي ينبغي أن تعيد دول الخليج النظر فيها تأتي أهمية الساحل الشرقي للخليج العربي وشماله بوصفه امتداداً جغرافياً وثقافياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله في معادلة التوازن الإقليمي فهذه المناطق المطلة على الخليج داخل إيران لا تمثل مجرد هامش جغرافي بل تضم مكونات سكانية ترتبط تاريخياً وثقافياً واقتصادياً بالفضاء الخليجي العربي وتشترك معه في أنماط الحياة البحرية والتجارية والعلاقات الاجتماعية الممتدة عبر قرون طويلة.
لقد حافظت مدن ومناطق الساحل الشرقي للخليج العربي وشماله على تداخل إنساني وثقافي عميق مع الضفة العربية للخليج، سواء عبر الروابط القبلية أو التبادل التجاري أو الامتداد اللغوي والثقافي أو حتى عبر التاريخ المشترك للموانئ وحركة الملاحة والهجرات القديمة وهذا الامتداد يجعل هذه المنطقة أكثر قابلية للانسجام مع البيئة الخليجية مقارنةً بالمركز الإيراني ذي الطابع الأيديولوجي والقومي الفارسي المغلق كما أن التركيبة الاجتماعية في هذه المناطق عانت تاريخياً من التهميش التنموي والسياسي مقارنة بالمركز ما خلق شعوراً متزايداً بالحاجة إلى الانفتاح الاقتصادي والثقافي على المحيط الخليجي الأقرب إليها جغرافياً ومصلحياً ومن هنا، فإن بناء جسور التواصل الاقتصادي والثقافي والإعلامي مع هذه المجتمعات لا ينبغي أن يُفهم كسياسة عدائية بل كجزء من إعادة التوازن الطبيعي للخليج بوصفه فضاءً اجتماعياً وحضارياً مترابطاً.
إن دول الخليج تمتلك اليوم قوة ناعمة هائلة قائمة على التنمية والاستقرار وجودة الحياة والانفتاح الاقتصادي وهي عناصر قادرة على خلق تأثير تدريجي داخل البيئات القريبة منها ثقافياً واجتماعياً فالتوازن لا يتحقق فقط عبر الردع العسكري، بل أيضاً عبر بناء دوائر نفوذ اجتماعي واقتصادي تعزز الاستقرار طويل الأمد وتحدّ من احتكار المركز الإيراني لمسارات التأثير داخل هذه المناطق ومن هذا المنطلق، فإن دعم الساحل الشرقي للخليج العربي يمكن أن يشكل أحد أهم أدوات التوازن الإقليمي الجديد؛ ليس عبر الصدام أو التدخل المباشر، وإنما عبر توسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والتعليم والاستثمار والتبادل الثقافي وربط المصالح المحلية بمحيطها الخليجي الطبيعي فالمجتمعات التي تشعر بأن ازدهارها مرتبط بالاستقرار والانفتاح ستكون أقل قابلية للانخراط في مشاريع التوتر والصراع الدائم وعلى المدى البعيد قد يتحول هذا الامتداد الاجتماعي والثقافي إلى عنصر استقرار حقيقي في الخليج لأن أي توازن مستدام لا يُبنى فقط على توازن السلاح بل على توازن المصالح والهوية والانتماء الحضاري المشترك. وفي النهاية فإن المرحلة القادمة تفرض على دول الخليج تجاوز عقلية الوسيط الباحث عن التهدئة بأي ثمن إلى عقلية القوة المتوازنة القادرة على حماية مصالحها وفرض معادلات الاستقرار بنفسها.
فالدول التي تمتلك الثروة والتأثير والموقع الاستراتيجي لا ينبغي أن تبقى رهينة لسياسات الآخرين بل عليها أن تصنع بيئتها الأمنية وفق مصالحها الوطنية والقومية لقد تغيّر الشرق الأوسط، ومعه تغيّرت قواعد القوة ومن لا يبني توازنه بنفسه سيظل معلقاً بين ابتزاز الخصوم وتقلبات الحلفاء.
اكسر الصمت وعبّر عن رأيك