يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة. ويخضع هذا المضيق لنظام قانوني دولي مستقر نسبيا، على عكس بحر قزوين الذي شهد تحولات عميقة في بنيته القانونية عقب التغيرات الجيوسياسية في مطلع التسعينات.
و في ظل التصعيد الخطير للحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران، ومع وجود تركيبة ثقافية وعرقية واسعة داخل البلاد — تشمل مناطق مثل الأحواز وكردستان وبلوشستان وآذربيجان — والتي تخوض منذ عقود نضالات متواصلة لنيل حريتها والتخلص من الهيمنة الايرانية، يبرز تساؤل محوري: هل يمكن أن يؤدي سيناريو تفكك دولة محورية كإيران الى إعادة تشكيل النظام الحقوقي لمضيق هرمز، على نحو يوازي ما شهدته منطقة بحر قزوين من تحوّلات قانونية وسياسية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ؟
للإجابة عن هذا التسائل، لابد من الرجوع الى ما افرزته اتفاقية أكتاو الكازاخية لدول بحر قزوين الخمسة في اغسطس عام 2018؛
في تسعينات القرن العشرين ،أدى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى تحول بحر قزوين من فضاء ثنائي-بين ايران و الاتحاد السوفياتي -إلى منطقة متعددة الأطراف، ما أفرز حالة من الغموض و الفراغ القانوني و غياب تصنيف واضح (بحر أم بحيرة) ،مما أدى الى تنازع على الموارد الطبيعية و غياب آلية ملزمة لتسوية النزاعات وقد استمر هذا الوضع حتى التوصل إلى اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين عام 2018، التي أرست نظاما هجينًا يجمع بين التقسيم والسيادة المشتركة.
و بعد محادثات دامت لأكثر من عشرين عام، أخيرا وقع مسؤولو الدول الـ5( روسيا، وإيران، وكازاخستان، وأذربيجان، وتركمانستان،) الاتفاقية و وضعوا حداً وتسوية لخلاف طويل الأمد حول ما إذا كان بحر قزوين، المساحة المائية المغلقة الأكبر في العالم، بحرا أم بحيرة، منذ تفكك الاتحاد السوفيتى السابق.
ونصت الإتفاقية الجديدة على أن تبقى المنطقة الرئيسية لسطح مياه بحر قزوين متاحة للإستخدام المشترك للأطراف، فيما ستقسم الدول الطبقات السفلية وما تحت الأرض إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بينها على أساس القانون الدولي.
وستتم عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ووضع خطوط الأنابيب الرئيسية وفقا للقواعد المتفق عليها بين الأطراف عند تنفيذ مشاريع بحرية واسعة النطاق مما أدى الى ظهور قانون هجين، يراعى العامل البيئى بالضرورة، كما تحدد الإتفاقية أيضا الحكم المتعلق بمنع وجود قوات مسلحة للقوى الأجنبية الإقليمية والدولية في بحر قزوين.
اما اذا رجعنا الى البنية القانونية لمضيق هرمز، فنجد أن هذا المضيق يتبع الإطار النظري و العام للنظام الحقوقي للمضائق الدولية، حيث تنظّم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المضائق المخصصة للملاحة الدولية كمضيق هرمز عبر مبدأ المرور العابر، الذي يضمن حرية الملاحة دون عرقلة، مع منح الدول المشاطئة صلاحيات محدودة تتعلق بالسلامة والبيئة. ويتميّز هذا النظام بطابعه الإلزامي وشبه العالمي، ما يجعله أحد أكثر الأنظمة استقرارًا في القانون الدولي للبحار.
و في حال افترضنا أن ايران ستتجه نحو التفكك إلى دول مستقلة، فمن المرجح أن تنشأ-في الحد الأدنى-دولتان على الضفة الشرقية للخليج العربي ، غير أن هذا التحول الجيوسياسي، رغم أهميته، لا يعني أن الوضع القانوني لمضيق هرمز سيصبح شبيهاً بحالة بحر قزوين. فبالرغم من بعض أوجه التشابه الشكلية، تبقى هناك فروق جوهرية تحد بشكل كبير من إمكانية تكرار “سيناريو قزوين القانوني” وذلك للأسباب التالية:
1. وجود إطار قانوني دولي واضح لمضيق هرمز،
مضيق هرمز يخضع بشكل صريح لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، ولا سيما مبدأ المرور العابر (Transit Passage) الذي يضمن حرية عبور السفن والطائرات دون عرقلة. هذا الإطار القانوني الواضح يحدّ من إمكانية نشوء فراغ قانوني أو حالة غموض سيادي كما حدث في نموذج قزوين، حتى و لو تشكلت دول على شاطي الخليج الشرقي.
2. الارتباط المباشر بالمياه الدولية،
يُعد مضيق هرمز ممراً يربط بين مياه الخليج والمحيطات المفتوحة، ما يجعله جزءاً من شبكة الملاحة الدولية. أما بحر قزوين فهو مسطح مائي مغلق بالكامل ومحاط بدول مشاطئة فقط، ويُدار ضمن نظام إقليمي خاص و ذي طابع سيادي بين خمس دول، بعيداً عن النظام البحري العالمي التقليدي.
و على الرغم من التأثير الغير المباشر لدول الأخرى في بحر قزوين -مثل اروبا و الولايات المتحدة – بسبب ما يزخر من موارد الطاقة، إلا انها لا تستطيع التدخل المباشر في هذا البحر الذي يظل خاضعاً لسيادة الدول المطلة عليه.
3. الأهمية الاستراتيجية العالمية،
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل أي تهديد لإغلاقه أو تغيير قواعده القانونية سبباً مباشراً لتدخل القوى الكبرى لضمان حرية الملاحة واستقرار الأسواق العالمية كما يتجلى في التوترات المرتبطة بمضيق هرمز اليوم و ما يصاحبها من رفض دولي و تحشيد مستمر لإبقائه مفتوحا باعتباره شريانا حيويا للطاقة و التجارة الدولية . في المقابل، رغم الأهمية الاقتصادية لبحر قزوين وموارده، فإن الدول غير المشاطئة لا تمتلك آليات تدخل مباشر فيه، كما هو الحال في الممرات البحرية الدولية.
وبناءً على ذلك، فإن اختلاف الطبيعة القانونية والجغرافية والاستراتيجية بين الحالتين يجعل من مضيق هرمز نظاماً دولياً مفتوحاً ومحكوماً بقواعد واضحة، في حين يبقى بحر قزوين نموذجاً إقليمياً مغلقاً يخضع لتفاهمات بين الدول المتشاطئة فقط.
و في المحصلة يمكن القول أن مضيق هرمز، حتى في ظل سيناريو تفكك إيران و تعدد الدول المتشاطئة، لن يتحول إلى نموذج مطابق لبحر قزوين في تسعينات القرن العشرين. غير أن ذلك لا ينفي احتمال حدوث “قزوينة جزئية” على مستوى الممارسة، تتمثل في الفوضى والتنافس، دون المساس بجوهر النظام القانوني الدولي.
وبذلك، يظل التحدي الأساسي ليس في تغيير القواعد القانونية في مضيق هرمز، بل في ضمان احترامها في بيئة جيوسياسية متقلبة قد تشهد لفترة من الزمن تصاعداً في التنافس الإقليمي، وتفاقماً في الصراعات الحدودية، فضلا عن احتمال بروز نزاعات حول السيادة على الجزر المنتشرة في مياه الخليج العربي.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك