
في الفقرة الأولى و الثانية ينسجم الاتفاق مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، إذ يؤكد وقف الأعمال العدائية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وهذه البنود تمثل مكسبًا متبادلًا للطرفين، لأنها تخفض احتمالات التصعيد العسكري وتعيد العلاقة إلى المسار الدبلوماسي.
لكن النقطة الأكثر أهمية تكمن في الملف النووي فالوثيقة لا تُلزم إيران بتفكيك برنامجها النووي أو وقف عمليات التخصيب، وإنما تكتفي بإعادة التأكيد على أنها لن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، مع تأجيل حسم مستقبل التخصيب والمواد المخصبة إلى الاتفاق النهائي وبذلك تحتفظ طهران بأهم أوراقها التفاوضية طوال فترة الستين يومًا، بينما تكتفي الولايات المتحدة بتجميد الوضع القائم دون تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إنهاء البرنامج النووي.
اقتصاديًا، تبدو المكاسب الإيرانية أكثر وضوحًا فالوثيقة تنص على رفع الحصار البحري، والسماح باستئناف صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، فضلًا عن الالتزام بوضع خطة لإعادة الإعمار والنمو الاقتصادي بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، إلى جانب التفاوض على رفع العقوبات الأميركية والدولية وإذا نُفذت هذه البنود، فإنها تمثل تحولًا اقتصاديًا كبيرًا لصالح إيران بعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط المالية.
أما مضيق هرمز، فيمثل البند الأكثر حساسية في الاتفاق فمنذ عقود يخضع المضيق لأحكام القانون الدولي باعتباره مضيقًا دوليًا يتمتع فيه جميع السفن بحق “المرور العابر” وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما يعني أن إيران لا تستطيع قانونًا فرض رسوم على السفن أو إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية.
غير أن الاتفاق يثير تساؤلات مهمة، إذ ينص على توفير إيران مرورًا مجانيًا وآمنًا للسفن لمدة ستين يومًا فقط، ثم يشير إلى بدء حوار مع سلطنة عُمان ودول الخليج بشأن الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في المضيق ويكشف هذا التحديد الزمني أن الاتفاق يمنح ضمانات مؤقتة للملاحة، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام ايران لترتيبات جديدة بعد انتهاء المهلة.
ومن هنا تبرز أهمية السؤال: ماذا يمكن أن تفعل إيران بعد انتهاء الستين يومًا؟
من الناحية القانونية، لا تستطيع إيران إلغاء حق المرور العابر أو فرض رسوم على السفن التجارية حسب القانون الدولي، لأن هذا الحق مكفول لجميع الدول. إلا ان التجربة ثبتت غير ذالك اي أنها قد تسعى إلى استخدام نفوذها الجغرافي والسياسي لفرض ترتيبات تنظيمية جديدة، مثل توسيع إجراءات الإرشاد البحري أو الرقابة الفنية أو الدخول في مفاوضات لإعادة تنظيم بعض الخدمات البحرية وصولا الى فرض رسوم على السفن كما تستطيع استخدام هذه المسألة كورقة ضغط سياسية في حال تعثرت المفاوضات حول الاتفاق النهائي.
في المقابل، ما حصلت عليه الولايات المتحدة وقف الحرب، وتأمين الملاحة البحرية مؤقتًا، ومنع توسع الصراع الإقليمي، والحفاظ على تجميد البرنامج النووي الإيراني خلال فترة التفاوض. إلا أن هذه المكاسب جاءت مقابل تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية كبيرة، أبرزها تخفيف العقوبات والسماح بعودة إيران إلى الأسواق النفطية العالمية.
وعند تقييم الاتفاق بمجمله، يتضح أن إيران خرجت، في هذه المرحلة، بمكاسب أكبر من الولايات المتحدة. فقد احتفظت ببرنامجها النووي دون تفكيك، واستعادت جزءًا كبيرًا من قدرتها الاقتصادية، واحتفظت بأوراق ضغط مهمة، وفي مقدمتها مستقبل الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز. أما الولايات المتحدة، فقد حققت هدفًا أساسيًا يتمثل في وقف الحرب ومنع التصعيد، لكنها لم تحصل بعد على الضمانات النهائية التي كانت تسعى إليها في الملف النووي.
ومع ذلك، فإن الحكم النهائي على هذا الاتفاق سيظل مرتبطًا بما ستسفر عنه المفاوضات خلال فترة الستين يومًا فإذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج الملف النووي ويثبت الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز ويرفع العقوبات بصورة متوازنة، فقد يتغير ميزان المكاسب أما إذا انهارت المفاوضات، فإن إيران ستكون قد استعادت جزءًا معتبرًا من مكاسبها الاقتصادية والسياسية مع احتفاظها بأهم أوراقها التفاوضية، وهو ما يجعلها، في المرحلة الحالية، الطرف الذي يبدو أكثر استفادة من هذه المذكرة.
اكسر الصمت وعبّر عن رأيك