الجوانب الخفية لإبن الشاه البهلوي و تياره الملكي/ بقلم: حبيب قاسم، كاتب ومترجم أحوازي

عندما نتحدث عن “الحقيقة الخفية” لهذا التيار و على رأسه ـ رضا بهلوي، فإننا لا نقصد أنها خافية على الشعوب غير الفارسية داخل جغرافية إيران الحالية، كالأحوازيين وغيرهم، بل نعني أنها قد لا تكون واضحة لكثير من النخب والفئات في العالم العربي. فالصورة الشائعة لدى بعض هؤلاء تقتصر على كونه نجل الشاه السابق ويعيش في الغرب، ما يدفع إلى افتراض أنه يحمل تلقائيًا توجهات منفتحة وديمقراطية.

غير أنّ هذه القراءة السطحية تتجاهل تعقيدات السياق الفكري والسياسي المرتبط به. فالمفارقة تظهر أحيانًا لدى بعض المحللين العرب الذين يمتلكون فهمًا دقيقًا للطبيعة السلطوية للنظام الإيراني، ويعرضون بشكل واضح مظاهر القمع الممنهج داخله — وهو أمر يُحسب لهم — لكنهم، عند تناولهم لما يُسمّى بالمعارضة الفارسية، يقعون في تبسيطات أو استنتاجات غير مكتملة. ويرتبط ذلك، في جانب منه، بعدم التعمق في دراسة البنية الفكرية والسياسية لهذه التيارات، ولا سيما التيار الملكي.

ولو أُعطي هذا الجانب قدرًا أكبر من البحث والتحليل، خصوصًا من خلال تتبّع التجارب التاريخية وروايات الشعوب المتأثرة بشكل مباشر، كالأحوازيين مثلاً، لكانت الصورة لديهم أكثر توازنًا، ولأصبحت المقاربات السياسية والاستراتيجية أقرب إلى فهم أشمل لما يمكن وصفه بـ“الحقيقة غير المرئية” في هذا السياق.

وُلد رضا بهلوي النجل الأكبر للشاه الإيراني السابق، عام 1960 في طهران .وبعد سقوط نظام والده عام 1979 إثر  ثورة عارمة، غادر البلاد مع عائلته إلى المنفى.

في بداياته، لم يُعرف عنه اهتمام جدي بالعمل السياسي أو قيادة المعارضة ضد نظام ولاية الفقيه، بل تشير روايات مقربين منه إلى أنه كان مترددًا في تبني دور «ولي العهد» بعد وفاة والده، وكان يفضّل الابتعاد عن هذه المسؤولية، ما اعتبره منتقدوه دليلاً على ضعف شخصيته السياسية وعدم امتلاكه رؤية واضحة لقيادة مشروع معارض بحجم إيران. فكان يقول لحاشيته : “اتركوني و شأني …” ما يؤكد عدم امتلاكه رؤية و كفاءة سياسية جادة.

ومع مرور الوقت، وبدفع وتشجيع من شخصيات مرتبطة بالنظام الملكي السابق والمنتفعين في الخارج، دخل الساحة السياسية تدريجيًا وبشكل متأخر نسبيًا خلال تسعينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، حاول استثمار الأحداث والاحتجاجات التي شهدتها إيران، فكان يسارع عقب كل انتفاضة أو موجة غضب شعبي إلى توجيه الخطابات والرسائل السياسية للداخل الإيراني، في محاولة لتقديم نفسه كبديل للنظام القائم وركوب موجة الاحتجاجات لصالح مشروعه السياسي.

فهو لا يهمه سقوط نظام ولاية الفقيه بقدر ما يهمه طموحه الشخصي في استعادة النظام الملكي والوصول إلى الحكم حتى لو تحالف مع الجهات القمعية في السلطة الحالية . ولهذا، كانت تدخلاته في كثير من الانتفاضات تثير جدلاً واسعًا داخل أوساط المعارضة، إذ يخشى قسم كبير من المحتجين، -خصوصًا في المناطق غير الفارسية -، من عودة نموذج الحكم البهلوي الذي يعتبرونه ذا نزعة مركزية وشوفينية، خصوصًا في ما يتعلق بحقوق القوميات والثقافات واللغات غير الفارسية. ويستشهد هؤلاء بالشعار الاساسي للتيار الملكي و الذي يهتفون به دوما في تجمعاتهم في الخارج : «شعب واحد، لغة واحدة، علم واحد».

كما يطلق عليه داخل أوساط المعارضة ألقابًا سياسية ساخرة، مثل «رضا فتنة» في إشارة إلى اعتباره عاملًا في تشتيت المعارضة، و«رُبْع بهلوي» لوصف ما يرونه ترددًا وضعفًا سياسيًا، إضافة إلى وصفه ب «بهلوي شيّاد» الذي يستخدمه خصومه للتشكيك في صدقيته و  تذبذبه السياسي .

و في الانتفاضة الاخيرة لشهر ديسمبر عام ٢٠٢٥ و التي امتدت بشكل اوسع بداية عام ٢٠٢٦، وُجهت إليه اتهامات من قبل بعض المعارضين بخداع المتظاهرين خلال الاحتجاجات ، بعدما تحدث عن وجود ٥٠ الف من العسكريين داخل البلاد ممن انضموا ـ بحسب قوله ـ إلى صفوف الثورة وسيقومون بحماية المحتجين عند نزولهم إلى الشوارع. حيث شجعت هذه التصريحات أعدادًا كبيرة من الناس على المشاركة في التظاهرات خاصة خلال الأيام ٨ و ٩ من يناير لهذا العام، مما أدى ذلك الى مجازر دموية أسفر من خلالها سقوط عشرات الآلاف من القتلى والضحايا بين المتظاهرين.

وفي المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة شعار ردّده معارضون من توجهات سياسية وفكرية متعددة داخل إيران وخارجها، وهو:

«مرگ بر ستمگر، چه شاه باشد چه رهبر»

أي: «الموت للظالم، سواء كان شاهًا أم مرشدًا».

وقد عكس هذا الشعار حجم الاستياء داخل أوساط واسعة من المعارضة تجاه ما يعتبرونه نزعة إلى الأنانية السياسية وعدم إدراك حقيقي للتعددية السياسية والثقافية والعرقية في إيران، سواءا لديه أو لدى تياره الذي يصفه منتقدوه بالمتعجرف و المتعالي على بقية المكونات السياسية و القومية.

و هنا نشير الى بعض حقائق ابن الشاه و تياره الملكي: اتهامه من قبل الأقارب و المستشارين بالتسبب بانتحار شقيقه علي رضا بهلوي. يقول  علي مسعود أنصاري،ابن خالة رضا بهلوي و مستشار البلاط آنذك و الذي ترك لاحقا التعاون معه :

“حلّ علي رضا ومعه عشيقته شاه بري ضيفين على أخيه رضا بهلوي في منزله في مدينة   Fairfield الامريكية. في تلك الليلة لاحظت أن شاه بري ورضا بهلوي كانا يتبادلان الإشارات. عندها قلت لرضا: هذه عشيقة أخيك، وما تقوم به غير لائق، وأنهم ضيوف لديك، ويجب إنهاء هذا الأمر وعدم تجاوز الحدود.

فقال لي رضا: لا تهتم، سأستفسر من أخي. ثم عاد وقال: سألت أخي، وقال إنه لا يهتم ولا يمانع.

وفي الصباح، عندما عدت إلى منزل رضا بهلوي، رأيت أخاه علي رضا مهمومًا ومنزعجًا.

في تلك اللحظة دخلت عليه صديقته وسلّمت عليه، فردّ عليها قائلاً: اخرسي، أنا صديقك كيف تتصرفين هكذا!؟

بعد ذلك أدركت أن الليلة الماضية كان رضا بهلوي وشاه بري معًا في غرفة واحدة. فقلت لعلي رضا: أليس أنت من قلت لأخيك إنك لا تمانع وسمحت له بذلك؟ فقال: أنا لم أقل ذلك ابدا؟! فتبين لي أن رضا كان يكذب.

بعد أيام قليلة و تبعا لتلك الواقعة، قام علي رضا بأول محاولاته للانتحار لكنه لم ينجح”

كما يشير بعض المقربين من العائلة إلى أن رضا كان يغار من علي رضا لأنه كان متفوقًا دراسيًا ويحمل شهادة دكتوراه وأكثر ذكاءً منه، مما أدى ذلك إلى فرض قيود ورقابة عليه ومنعه من الظهور الإعلامي، ومع تزايد الضغوط النفسية عليه من قبل أخيه رضا، أقدم في نهاية المطاف على الانتحار. لكن الاعلان الرسمي للعائلة الذي اعلنه رضا بهلوي، عزى انتحار اخيه الى اصابته باكتئاب حاد نتيجة فراق ابيه و اخته المتوفيين من زمن بعيد!

عدم نقده السياسات الديكتاتورية و القمعية في عهد والده و جده

لم يُبدِ رضا بهلوي، حتى اليوم، أي مراجعة أو نقد واضح للانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت في عهد والده محمد رضا شاه وجدّه رضا شاه خلال فترة حكمهما الديكتاتوري، ولا سيما ما يتعلق بسياسات طمس هوية الشعوب غير الفارسية كالعرب والأكراد والترك والبلوش واللور وغيرهم، بالإضافة إلى نهب ثروات الأقاليم الغير فارسية واستغلالها لصالح المدن الفارسية.

بل على العكس من ذلك، أنه يواصل الدفاع عن سياسات أسلافه وتمجيدها، و يعتبرهم ابطال وطنيين في اخضاع الشعوب الغير فارسية بالقوة و السيطرة على مقدراتهم لصالح  الحكومة المركزية الفارسية ،كما قام بضم عدد من الشخصيات البارزة المرتبطة بحكم والده إلى تياره وجعلهم من المقربين منه، ومن أبرزهم “برويز ثابتي”، الذي كان من أعلى المسؤولين الأمنيين في عهد محمد رضا شاه، إذ تولّى رئاسة الإدارة الثالثة في جهاز السافاك، والتي كانت تُعدّ أهم وأقوى أركان الجهاز الأمني آنذاك، واشتهرت بممارسة مختلف أساليب القمع والتعذيب بحق معارضي حكم الشاه.

وريث الأموال المسروقة

إذا أردنا التركيز فقط على اعترافات رضا بهلوي بشأن الأموال التي استولى عليها والده من شعوب إيران، والتي آلت إليه في نهاية المطاف، فإننا نستند إلى إحدى مقابلاته مع قناة «صوت أمريكا» الفارسية، حيث أقرّ بأنه ورث عن والده 62 مليون دولار فقط بعد وفاته في القاهرة.

غير أن الوثائق المؤرشفة لوزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى أن ما يقارب 200 مليون دولار خرجت إلى الخارج فقط خلال فترة حكم رضا شاه الاول. و كما يذكر الكاتب محمد قلي مجد، في كتابه «من القاجارية إلى البهلوية» المترجم إلى الفارسية، أنه وفقاً لوثائق وزارة الخارجية الأمريكية:

” كان رضا شاه، عند تخليه عن الحكم، من أثرى رجال العالم. فقد كان يمتلك ما يقارب 50 مليون دولار في بنك طهران، و18 مليون دولار في بنوك نيويورك، وما لا يقل عن 100 مليون دولار مودعة في بنوك لندن، فضلاً عن أصول وثروات أخرى…”انتقلت ملكيتها لاحقاً الى افراد العائلة البهلوية في الخارج  و على رأسهم ابنه رضا بهلوي .

رأيه في لغات الشعوب الأخرى

أما بالنسبة لحقوق الشعوب في التعلّم بلغتها الأم، والتي تُعدّ مسألة وجودية لبقاء هويتها وثقافتها، فقد قال في إحدى مقابلاته: «أنا ما زلت لا أفهم ماذا يعني التدريس باللغة الأم؟!». ويقصد من هذا التصريح أن لغات الشعوب غير الفارسية، كالعرب والأكراد والترك والبلوش وغيرهم، لا تعني له شيء و ما يهمه فقط هي اللغة الفارسية التي فُرضت على هذه الشعوب منذ عهد جده رضا شاه وحتى يومنا هذا.

اعترافاته بالاتصال بالحرس الثوري الارهابي

اعترف رضا بهلوي في مقابلة على قناة إنترناشونال بوجود تواصل وعلاقة مع الحرس الثوري الإرهابي و الباسيج، كما دافع عنهما بسبب مشاركتهما ـ بحسب تعبيره ـ في الدفاع عن البلاد خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وفي مقابلة أخرى متلفزة على  صوت امريكا فارسي، رفض إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن قوائم الإرهاب، وقال بصريح العبارة: «… قاعدتي وسندي هم هؤلاء الحرس الثوري والباسيج! …»

و صرح في فيديو خاص له  في هذا السياق: «إذا كنتم اليوم تريدون الانتقام من شخص ما بدافع الثأر، فتذهبون مثلًا إلى ذلك البسيجي الذي اعتدى ـ على سبيل المثال ـ على أخواتكم أو بناتكم، أو إلى ذلك السفاح الذي ارتكب ظلمًا بحقكم أو بحق شخص آخر، ثم تعود الأمور إلى القتل والانتقام، فسيأتي يوم ينهض فيه ابن ذلك الشخص الذي انتقمتم من والده لينتقم منكم، وهذه الدائرة بأكملها خاطئة جدًا…».

فكل هذا التمجيد و الاحتماء بمجرمي الحرس الثوري ، اذا دل على شي فهو يدل على عدم وجود قاعدة جماهيرية واسعة لهذا التيار، و على نيته الخبيثة بالاستيلاء على القوة العسكرية الاجرامية في المستقبل لقمع المعارضين الآخرين، لاسيما في مواجهة الشعوب الغير فارسية عند مطالبتها حقوقهم الشرعية و ثرواتهم المنهوبة.

سلوكيات انصاره العنصريين،

اشتهر أنصار التيار الملكي(البهلوي) في وسائل الإعلام والتظاهرات بسلوكيات وُصفت بالعنيفة والاستفزازية، سواء على مستوى الخطاب أو التصرفات الميدانية، ولا سيما استخدام الشتائم ذات الطابع الجنسي والتصرفات العدائية تجاه المعارضين غير المنتمين إليهم. كما شاهدت السو شيال ميديا عشرات الفيديوهات و النشرات بالتشويش على فعاليات خصومهم السياسيين، ومهاجمة تظاهرات الشعوب غير الفارسية في الخارج، إضافة إلى وقوع مشادات واعتداءات بالأيدي، وفي بعض الحالات استخدام أدوات حادة أدت إلى إصابة بعض الأشخاص بالجروح الخطيرة.

كما أُثيرت اتهامات تتعلق بحالات من الاعتداء اللفظي والتحرش الجنسي، من بينها ما تحدث عنه الشاعر والمعارض الإيراني محمد رضا عالي بيام، و هو لا يقل عنصرية عنهم في شتم العرب و المسلمين في اشعاره و عدم تقبله لأي ثقافة في ايران سوى الثقافة الفارسية ، اذ قال إنه تعرض لسبع حالات من التحرش الجنسي في الشارع من قبل أنصار التيار الملكي في لندن قبل سنتين ، و هو ما يعكس حجم عدم تقبل الرأي الآخر و النزعة العنصرية المكشوفة ، رغم اقامتهم في الغرب و تعرفهم على  القوانين و القيم الديموقراطية هناك.

فإذا كان هؤلاء لا يتقبلون الاختلاف المحدود حتى مع ابناء جلدتهم ، فكيف يكون تعاملهم مع الشعوب الغير فارسية في ايران التي لها مطالب حقيقية تتعلق بالحقوق و حق في تقرير المصير !

وفي ختام هذا المقال، يتضح أن صورة التيار الملكي البهلوي، كما تُقدَّم أحيانًا في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية العربية و حتى الغربية، تختلف كثيرًا عن الصورة التي تراها قطاعات واسعة من الشعوب غير الفارسية والمعارضين داخل إيران وخارجها. فالقضية بالنسبة لهؤلاء لا تتعلق بمجرد خلاف سياسي مع شخص أو تيار، بل ترتبط بمخاوف تاريخية عميقة من عودة نموذج الحكم المركزي الشوفيني الذي حكم إيران لعقود بالقوة الأمنية وتهميش القوميات والثقافات المختلفة.

كما أن قراءة المشهد الإيراني من زاوية الصراع بين “الملكية” و”ولاية الفقيه” أو المعارضة الفارسية فقط، تُعدّ قراءة ناقصة، لأنها تتجاهل وجود شعوب ومكوّنات سياسية وثقافية متعددة تمتلك رؤى مختلفة لمستقبل إيران، وترفض إعادة إنتاج أي سلطة استبدادية، سواء جاءت بلباس ديني أو ملكي أو قومي متطرف.

وإلا فإن تغيير الوجوه مع بقاء العقلية ذاتها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة، وهو ما يفسّر الشعار الذي بات يتردد بقوة بين شرائح واسعة من الإيرانيين : «الموت للظالم، سواء كان شاهًا أم مرشدًا».

و هذا ما ساهم في بروز حالة من التريث لدى بعض الدول الغربية، بعدما لمست هذه التعقيدات واطّلعت على جانب من تلك الحقائق. ويبدو أنها بدأت تتفهم أسباب غياب الإجماع حول بعض تيارات المعارضة في الخارج، ما جعلها أكثر حذرا في مسألة الاعتماد على طرف بعينه باعتباره ممثلًا جامعا لكافة مكوّنات المجتمع الإيراني.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑