مؤتمر حرية إيران بين استعراض شكلي للتعددية وغياب الخطاب التعددي والرؤية المشتركة

كتب الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الكوردي ناصر باباخاني من الولايات المتحدة الأمريكية مقالًا قصيرًا علّق فيه على أعمال «مؤتمر حرية إيران» المنعقد في لندن، منتقدًا ما وصفه بالتركيز المتكرر داخل أوساط المعارضة الإيرانية على استعراض التنوع الرمزي بدل بناء خطاب سياسي مشترك وقادر على الاستمرار. ويرى باباخاني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب تمثيل القوميات أو الأقليات، بل في افتقار المعارضة إلى رؤية فكرية متماسكة تقوم على مبادئ واضحة مثل الحرية والديمقراطية والتعددية، مؤكّدًا أن «الاجتماع دون اتفاق مسبق على الأولويات ينتج تجمعًا من الأجندات المتنافسة لا قوة سياسية حقيقية». ويشير في مقاله إلى أن الخطاب السياسي الحقيقي هو الذي يتجاوز الفرديات والهويات الشكلية، ليؤسس مظلة فكرية قادرة على جذب المؤيدين وحتى المنتقدين، لأن قوة المعارضة — بحسب تعبيره — تبدأ من وحدة الأفكار قبل تنوع الوجوه.

جاء في مقال الاستاذ ناصر باباخاني، ما نصه:

الخطاب المشترك، لا استعراض التنوع الرمزي!

في صفوف المعارضة الإيرانية، نشهد مرارًا مبادرات تنشأ عادةً بنيّات حسنة بهدف تحقيق الوحدة أو التقارب، لكنها في الواقع تركز على المظاهر الخارجية بدل معالجة المشكلة الأساسية. أحد هذه الأساليب يتمثل في جمع ممثلين عن القوميات والإثنيات بشكل رمزي: تركي واحد، كردي واحد، وربما عربي وبلوشي أيضًا حتى لا تبدو القائمة ناقصة. هذا النهج يشبه عرضًا للتنوع الشكلي أكثر مما يشكّل قوة حقيقية ومستدامة للتغيير.

هذا الطريق ليس الطريق الصحيح ولا الفعّال. فمشكلة المعارضة اليوم ليست نقص الشخصيات الإثنية أو ممثلي الأقليات المختلفة، بل غياب خطاب مشترك عميق ومتماسك. عندما نجتمع دون أن نتفق مسبقًا على المبادئ الأساسية والأولويات، تكون النتيجة مجموعة من الأفراد والتيارات، لكل منها أجندته الخاصة. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي التنوع القومي أو الإثني لتحقيق التقارب.

في جوهر الأمر، الخطاب الحقيقي يتجاوز الفردية. فالخطاب هو منظومة من الأفكار والقيم والتحليلات المشتركة التي تعمل بما يتجاوز الأشخاص والمواقع الفردية أو الجماعية. وعندما تصبح معايير خطابٍ ما واضحة ومحددة — مثل الحرية، الديمقراطية، العلمانية، التعددية، الاقتصاد الحر، أو أي أولويات أخرى تُعرَّف انطلاقًا من واقع المجتمع اليوم — فإن المظلّة الخطابية تتسع طبيعيًا أكثر فأكثر. وتحت هذه المظلّة، لا ينجذب المؤيدون الأوائل فحسب، بل حتى بعض المنتقدين، لأن الخطاب يقوم على الحجة والتحليل لا على التمثيل الرمزي.

إن جمع الأشخاص فقط لملء الفراغ أو لإظهار التعددية من دون أساس خطابي متين يشبه بناء منزل بلا أساسات. قد يبدو جميلًا في الصور والبيانات، لكنه ينهار عند مواجهة الوقائع الصعبة — مثل ضغط النظام، وتعقيدات الانتقال السياسي، أو التهديدات الخارجية — أو يتحول إلى تجمع مليء بالتناقضات غير المحلولة.

الطريق الصحيح يبدأ من الخطاب. يجب أولًا طرح الأسئلة الأساسية: ما هو تحليلنا المشترك لوضع إيران؟ ما الأولويات التي نعدّها غير قابلة للتفاوض؟ ما نموذج الحكم الذي نقترحه استنادًا إلى التجربة التاريخية وظروف إيران الراهنة؟ عندما يتشكل هذا الخطاب ويتحول إلى لغة مشتركة، ستجتمع الأفراد والتيارات المختلفة — من كل قومية وطبقة واتجاه فكري، وحتى المنتقدين — تحت مظلته بصورة طبيعية. فالخطاب القوي يمتلك جاذبيته الخاصة، ويضع الفرديات في خدمة هدف أكبر.

المعارضة الفاعلة هي التي تتحد أولًا حول الأفكار، لا حول استعراض التنوع الشكلي. وعندها فقط يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية من أجل الحرية والديمقراطية، لا إلى ائتلاف مؤقت يتفرق مع أول ريح معاكسة.

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑