من طهران إلى واشنطن: من بدأ سياسة محو الدول ورفع شعارها؟

الاتحاد الوطني الأحوازي- تزايدت ردود الأفعال الفارسية داخل إيران عقب التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى إمكانية “محو إيران من الخريطة”، وحدد مهلة زمنية لا تتجاوز 48 ساعة لاستسلامها وقبول شروط السلام الأمريكية في المنطقة. وقد ركّزت معظم التعليقات على استنكار هذا الخطاب، باعتباره غير مقبول من رئيس دولة يتحدث عن إزالة دولة أخرى من الوجود.

غير أن هذا الطرح يغفل، عمدًا أو سهوًا، حقيقة أن خطاب “محو الدول من الخريطة” لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ من طهران منذ ما يقارب خمسة عقود. فمنذ عهد الخميني، مرورًا بخامنئي، ظلّ الخطاب الرسمي الإيراني يتضمن دعوات صريحة لإزالة إسرائيل من الخريطة، وهو ما يعكس نهجًا مستمرًا لا مجرد تصريح عابر.

ولم يقتصر هذا الخطاب على الداخل الإيراني، بل تم تصديره إلى حلفاء طهران في عدة دول، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وقطاع غزة، حيث تبنّت بعض الجماعات المرتبطة بإيران هذه الأيديولوجيا وسعت إلى ترجمتها عمليًا عبر سياسات وممارسات تهدد الأمن الإقليمي.

ومن هنا، يبرز تناقض جوهري في السلوك الإيراني؛ إذ كيف يمكن لدولة عضو في منظمة دولية كالأمم المتحدة، قائمة على مواثيق واضحة تحظر تهديد سيادة الدول، أن تتبنى خطابًا وسياسات تناقض تلك الالتزامات؟ فإيران لم تكتفِ بالتصريحات، بل انخرطت في سياسات اعتُبرت تدخلاً في شؤون دول أخرى، ودعمت أطرافًا غير حكومية، وأسهمت في زعزعة الاستقرار في عدد من الدول، لا سيما في المنطقة العربية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلًا مشروعًا: هل أدى غضّ الطرف الدولي عن هذه السياسات، منذ قيام الثورة الإيرانية، إلى تفاقم السلوك الإيراني ووصوله إلى ما هو عليه اليوم؟ وهل يدفع المجتمع الدولي الآن ثمن هذا التجاهل، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع دائرة الصراع؟

وفي هذا السياق، يذهب عدد من المحللين إلى أن التصريحات الأمريكية الأخيرة، رغم حدّتها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها السياسي، بل تندرج ضمن أدوات الضغط القصوى الهادفة إلى دفع إيران للامتثال للقواعد الدولية. وعليه، فهي لا تعبّر بالضرورة عن نية فعلية لمحو دولة، بقدر ما تعكس تصعيدًا محسوبًا في خطاب الردع. كما تُفهم التحركات الأمريكية والإسرائيلية، في هذا الإطار، بوصفها جزءًا من معادلة ردع حازمة وحقًا مشروعًا في الدفاع عن النفس، في مواجهة تهديدات مستمرة ومتنامية لم تعد تقتصر على الخطاب، بل امتدت إلى ممارسات ميدانية ذات أثر مباشر على الأمن الإقليمي.

وعليه، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في التصريحات المتبادلة، بل في تراكمات طويلة من الخطابات والسياسات المتناقضة مع النظام الدولي، والتي أسهمت في تعقيد المشهد الإقليمي، ورفعت منسوب التوتر وعدم الاستقرار.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑