الاتحاد الوطني الأحوازي- تحليل سياسي- يتناول هذا المقال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، اليوم الأثنين 23 مارس 2026 والذي ربط خلالها بين القوة الخارجية للولايات المتحدة وأوضاعها الداخلية، حيث عرض ما وصفه بعملية عسكرية واسعة ضد إيران، إلى جانب مواقفه من الاقتصاد والسياسات الداخلية وقوانين الانتخابات.
في الشق الخارجي، قدّم ترامب صورة لعملية عسكرية “منظمة وشاملة” استمرت لأسابيع، استهدفت القدرات النووية والصاروخية الإيرانية بشكل مكثف، مؤكداً تدمير النسبة الأكبر من منصات الإطلاق الباليستية، إلى جانب القضاء شبه الكامل على سلاحي الجو والبحرية وأنظمة الدفاع الجوي. كما أشار إلى استهداف البنية التحتية للصناعات الدفاعية، وشن عمليات نوعية ضد القيادات، حيث تحدث عن تصفية قادة الصف الأول، ثم استهداف مجموعة من 88 شخصية كانت تسعى لإعادة تشكيل القيادة، ما أدى – بحسب روايته – إلى فراغ قيادي وحالة من الخوف تمنع أي طرف من تولي السلطة.
وفي سياق الضغط العسكري، لوّح بخيار تصعيدي يتمثل في تدمير شامل لشبكات الكهرباء في حال فشل التوصل إلى اتفاق خلال مهلة محددة، مؤكداً أن الهدف النهائي هو إجبار إيران على التخلي الكامل عن برنامجها النووي وإنهاء تهديدها للولايات المتحدة وحلفائها، مشيداً بدور إسرائيل كشريك أساسي في هذه العمليات.
بدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنها تعكس شعورًا حادًا بالانتصار؛ حديثٌ عن كسر الإرادة الإيرانية، وسحق مشروعها، وإعادة رسم موازين القوة في المنطقة. غير أن هذا الخطاب، رغم زخمه، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن فعلًا هزيمة إيران عبر استهداف أدواتها الصلبة، أم أن جوهر قوتها يكمن في مكان آخر؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى التاريخ، ليس بوصفه سردًا للأحداث، بل باعتباره مفتاحًا لفهم العقل السياسي الإيراني. فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة، شهدت إيران سلسلة من الضربات العنيفة التي كان يُفترض أن تُضعف النظام أو حتى تُسقطه. أبرز تلك الأحداث كان تفجير مقر حزب الجمهورية الإسلامية عام 1981، المعروف بـ”حادثة السابع من تير”، والذي أدى إلى مقتل محمد حسين بهشتي و73 من كبار المسؤولين. وقد وُجّهت أصابع الاتهام حينها إلى منظمة مجاهدي خلق.
لم يكن ذلك الحدث معزولًا، إذ تلاه بعد أسابيع تفجير مكتب رئاسة الوزراء، الذي أودى بحياة الرئيس محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر. ورغم فداحة الخسائر، لم ينهَر النظام، بل أعاد إنتاج نفسه بسرعة، مستندًا إلى بنية فكرية وتنظيمية عميقة، تتجاوز الأفراد والمؤسسات.
هذه الحقيقة تتكرر في محطة أخرى مفصلية: الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988). فبعد ثماني سنوات من الاستنزاف، وجدت إيران نفسها مضطرة لقبول قرار وقف إطلاق النار رقم 598، في لحظة وصفها روح الله الخميني بـ”تجرّع كأس السم”. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا القبول إلى تغيير جوهري في سلوك الدولة، بل شكّل استراحة تكتيكية أعادت بعدها ترتيب أولوياتها.
من هنا، يمكن ملاحظة نمط متكرر: تتعرض إيران لضربات قاسية—تفجيرات، اغتيالات، حروب، عقوبات—لكنها لا تنكسر، بل تعيد التموضع. والسبب لا يكمن فقط في صلابة مؤسساتها، بل في طبيعة “العقلية” التي تحكمها؛ عقلية تقوم على العمل غير المباشر، واستخدام الأدوات غير التقليدية، والاعتماد على الشبكات بدل الجيوش النظامية.
في هذا السياق، يصبح من الخطأ اختزال قوة إيران في برنامجها النووي أو الصاروخي. فهذه الأدوات، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تكن الوسيلة الأساسية لتوسّع النفوذ الإيراني في المنطقة. لم تُستخدم القنابل النووية للسيطرة على العراق، ولا الصواريخ لفرض النفوذ في لبنان، وسوريا أو اليمن. بل تحقق هذا التمدد عبر وسائل أبسط وأعمق: شبكات محلية، تحالفات أيديولوجية، وأدوات غير رسمية.
وهنا تكمن المفارقة: بينما يركّز الخطاب الدولي على تفكيك القدرات العسكرية لإيران، فإن ما يقلق شعوب المنطقة فعليًا هو سلوكها السياسي البلطجي—التدخل الميليشياوي، التوسع الطائفي، وتصدير نموذجها عبر وكلاء وموالين محليين. فحتى لو تم تدمير البرنامج النووي بالكامل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإيراني، لأن هذا النفوذ لا يعتمد عليه أصلًا.
بناءً على ذلك، فإن أي حديث عن “هزيمة إيران” يبدو سابقًا لأوانه. فالنظام لم يهزم رغم اغتيال قياداته في الثمانينيات، ولم ينهَر بعد الحرب الإيرانية- العراقية المدمرة (1980-1988)، ولم يتراجع رغم العقوبات والضغوط المستمرة. والسبب بسيط: الصراع ليس مع بنية مادية يمكن تدميرها، بل مع بنية فكرية قادرة على التكيّف وإعادة الإنتاج.
من هذا المنطلق، يمكن فهم التحفظ تجاه فكرة “السلام” التي تُطرح أحيانًا كحل. فمثل هذا السلام، في ظل غياب تغيير جوهري في بنية النظام المركزي الإيراني وسلوكه، قد لا يكون سوى “استراحة محارب”—فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، وليس نهاية للصراع.
في النهاية، لا تبدو المسألة مرتبطة بقدرة إيران على الصمود فحسب، بقدر ما ترتبط بطبيعة المواجهة ذاتها. فعندما يكون الخصم فكرةً قبل أن يكون دولة، فإن إسقاطه لا يتحقق بمجرد ضرب منشآت أو تصفية قيادات، بل يتطلب مقاربة أعمق تتجاوز الأدوات إلى الجذور.
ومن هنا، إذا كانت الغاية الحقيقية هي تغيير سلوك إيران، فإن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق عبر استهداف أدواتها العسكرية وحدها، لأن الفرق بين تغيير الأدوات وتغيير السلوك هو ذاته الفرق بين انتصار مؤقت وتحول استراتيجي دائم. فالأول يعيد إنتاج الأزمة، أما الثاني فينهي أسبابها.
غير أن هذا التحول الجذري، وفق هذا المنظور، لا يبدو ممكنًا دون تفكيك البنية المركزية للنظام الإيراني أو إعادة تشكيلها بصورة تسمح بتغيير طبيعة الحكم وعلاقته بالمجتمع. ويذهب هذا الطرح إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن منح الشعوب داخل إيران حق تقرير مصيرها قد يكون مدخلًا لإعادة صياغة التوازنات الداخلية والإقليمية.
وفي هذا السياق، يُستحضر أحيانًا نموذج تفكك يوغوسلافيا، حيث أدى انهيار الدولة المركزية إلى إنهاء مصدر تهديد إقليمي مزمن، وتحولت التحديات التي كانت تمثلها إلى فرص لإعادة بناء كيانات جديدة تبحث عن الاستقرار والاندماج.
والفكرة الجوهرية تظل قائمة: لا يمكن إنهاء التهديدات المستمرة عبر معالجة مظاهرها فقط، بل عبر التعامل مع بنيتها العميقة، حيث يتشكل القرار، وتُصاغ الاستراتيجيات، وتُعاد إنتاج الأزمات.
الاتحاد الوطني الأحوازي