
لم تكن العلاقة بين دول الخليج العربي وإيران يومًا مجرد علاقة جوار جغرافي، بل كانت معادلة سياسية معقدة، تراوحت بين محاولات الإحتواء الإستراتيجي، والقلق الدائم من مشروع إقليمي يتجاوز حدود الدولة . وقبل إندلاع موجات التصعيد الأخيرة، راهنت العواصم الخليجية على إمكانية بناء توازن عقلاني مع طهران، يقوم على مبدأ الإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
غير أن هذا الرهان اصطدم بواقع مغاير؛ إذ إختارت إيران، عبر أدواتها المباشرة وغير المباشرة، نهجًا قائمًا على توسيع النفوذ الإقليمي، وتكريس بيئات هشة حول دول الخليج، بما يجعل الأمن الخليجي عرضة لضغوط مستمرة. وهنا، إنتقلت دول الخليج من سياسة إدارة التوتر إلى حسم التهديد، في تحول إستراتيجي يعكس نضج القرار السياسي، لا إندفاعه.
لقد كشفت هذه المرحلة عن حقيقة جوهرية طالما جرى تجاهلها أو التقليل من شأنها، أن دول الخليج لم تكن يومًا مجرد متلقٍ للأمن، بل صانعة له. ففي ذروة التصعيد، لم تعتمد هذه الدول على تدخل خارجي مباشر بقدر ما إعتمدت على قدراتها الذاتية، وسواعد أبنائها، وبنيتها الدفاعية التي جرى تطويرها على مدى عقود. بل إن المعادلة إنقلبت في لحظات حاسمة، لتصبح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في حاجة إلى هذا الثقل الخليجي، سياسيًا وعسكريًا وإقتصاديًا، لإدارة توازنات المنطقة.
وإذا كان معيار التهديد يقاس بحجم الإستهداف، فإن دول الخليج كانت في صدارة المواجهة، فقد تعرضت لهجمات متكررة إستهدفت منشآتها الحيوية، وطرق إمداد الطاقة، وبناها التحتية، في نمط تصعيدي يفوق من حيث الكثافة والإستمرارية ما تعرضت له إسرائيل في فترات طويلة. وهذا الواقع لا يعكس فقط طبيعة التهديد، بل يكشف أيضًا عن أولوية الخليج في الحسابات الإيرانية.
إن تفسير هذا التركيز الإيراني على دول الخليج يتطلب قراءة متعددة الأبعاد. فمن جهة، تمثل هذه الدول قلب الاقتصاد العالمي في مجال الطاقة، ما يجعل إستهدافها وسيلة ضغط ذات تأثير دولي واسع. ومن جهة أخرى، فإن نجاح النموذج الخليجي في بناء دول مستقرة، ذات إقتصادات متقدمة، يشكل تحديًا ضمنيًا للنموذج الإيراني، بما يحمله ذلك من تنافس سياسي وحضاري. يضاف إلى ذلك البعد الجيوسياسي، حيث تسعى إيران إلى فرض نفوذها في محيطها المباشر، وهو ما يصطدم بطبيعة الدول الخليجية ككيانات ذات سيادة راسخة.
ورغم هذا التصعيد، لم تنجر دول الخليج إلى فوضى ردود الأفعال، بل حافظت على توازن دقيق بين الردع والإنضباط، مؤكدة أن القوة لا تعني التهور، وأن الحزم لا ينفصل عن الحكمة. وقد تجلى ذلك في قدرتها على حماية منشآتها الحيوية، وضمان إستمرار تدفق الطاقة، والحفاظ على إستقرارها الداخلي، في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية توترًا.
في هذا السياق، جاءت الإشادات الدولية وفي مقدمتها إشادة الرئيس دونالد ترامب لقادة دول الخليج و على رأسهم الأمير محمد بن سلمان ، لتؤكد إدراكًا متزايدًا بأن دول الخليج لم تعد مجرد حلفاء تقليديين، بل شركاء إستراتيجيين يُعتمد عليهم. وفي المقابل، برزت حالة من التباين داخل المعسكر الغربي، خاصة في مواقف بعض دول حلف الناتو، التي بدت أقل حسمًا في التعاطي مع التحديات، نتيجة تداخل الحسابات السياسية والإقتصادية الداخلية.
وهنا تتشكل مفارقة لافتة: دول تواجه الخطر مباشرة، فتتقدم الصفوف بثبات، وأخرى تراقب من مسافة آمنة، فتتردد في إتخاذ مواقف حاسمة. وهو ما يعيد طرح سؤال الوفاء في العلاقات الدولية، هل تُبنى التحالفات على المصالح فقط، أم على الإلتزام الحقيقي في أوقات الأزمات؟
وقد سبق الشعر العربي القديم هذا السؤال بقرون، حين عبّر عن جوهر الوفاء والشجاعة في أوقات الضيق، فقال السموأل:
إذا المرءُ لم يدنَسْ من اللؤمِ عِرضُهُ
فكلُّ رداءٍ يرتديهِ جميلُ
وإن هو لم يحملْ على النفسِ ضيمَها
فليس إلى حُسنِ الثناءِ سبيلُ
إن المرحلة الراهنة لا تعيد فقط تشكيل موازين القوى، بل تعيد تعريف مفاهيم أساسية في السياسة الدولية، من هو الحليف؟ ومن يصمد عند الإختبار؟ ومن يملك قرار المواجهة؟ وقد أثبتت دول الخليج، في هذا السياق، أن القوة الحقيقية لا تُستورد، بل تُبنى، وأن السيادة لا تُمنح، بل تُحمى.
وفي الخلاصة، فإن التجربة الخليجية في مواجهة التحديات الإقليمية تقدم نموذجًا في كيفية الجمع بين الحزم والحكمة، وبين الإستقلالية والشراكة. وهي تذكر بأن الأوطان التي تعرف كيف تعتمد على نفسها، وتُحسن إختيار حلفائها، هي وحدها القادرة على عبور الأزمات وصناعة المستقبل.