إيران وشعوبها في ذمة المجانين والمتوهمين، رضائي وجليلي نموذجاً

ما تبقى من القيادة الإيرانية يبدو أنه يعيش في عالم من الأوهام، حيث تغلب الإيديولوجيا والتمسك بالغيبة والتصورات المثالية على تقييم الواقع. معظم هذه القيادات مفصولة عن الأرض، مؤمنة بأن تحالفات قديمة أو دعمًا غيبيًا أو خارجيًا قادر على إنقاذها، بينما الواقع يظهر أن إيران، بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على اندلاع الحرب، تتجه نحو الانهيار بسرعة أكبر من كل التقديرات

في هذا السياق، يثار التساؤل حول دور الصين وروسيا في إنقاذ النظام الإيراني. الواقع يفضح وهم القيادة الإيرانية: الدعم المقدم من بكين وموسكو مرتبط بحسابات استراتيجية طويلة الأمد، وليس كرد فعل لحظي لإنقاذ النظام. تبادل المعلومات الاستخباراتية، الدعم اللوجستي المحدود، والضغط الدبلوماسي لا يعني الانخراط العسكري المباشر في مواجهة أمريكية أو إسرائيلية، وأي خطوة من هذا النوع قد تجر المنطقة إلى أزمات يصعب السيطرة عليها. كما أن عدم انخراط دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وانضمامها للولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الدائرة ضد طهران يؤيد هذه الحقيقة.

صحيح أن التحالف الإيراني مع الصين وروسيا ليس وليد اللحظة، فهو نتاج عقود من الاتفاقيات الاستراتيجية طويلة المدى، بدءًا من عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون وصولًا إلى الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، لكن هذا التعاون لا يعني أن هذه القوى مستعدة للاندفاع في مواجهة عسكرية مباشرة نيابة عن طهران.

على الأرض، تظهر إيران قدرة محدودة من خلال أدوات استخباراتية وسيبرانية تمكنها من فرض سيطرة على مضيق هرمز، وتسوية المعاملات باليوان والعملات غير الدولار، لكنها تعاني هشاشة واضحة في بنيتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. القيادة تعيش في وهم قدرتها على ارتهان المنطقة من خلال العدوان والبلطجة في أهم ممر دولي وشريان للطاقة، واستهداف البنية التحتية والصناعية وحتى المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، وتحويل هذا العدوان إلى حماية كاملة للنظام، بينما الواقع يظهر أن النظام في طريقه للتدهور السريع.

حتى اللحظة، لم تتورط القوى الغربية أو دول الخليج العربي في مواجهة مباشرة، ما يعكس حرصها على عدم تصعيد النزاع إلى مواجهة إقليمية شاملة. هذا الواقع يفضح وهم القيادة الإيرانية في إمكانية إجبار القوى الكبرى على الدفاع عنها، ويؤكد أن الاعتماد على الصين وروسيا كحامٍ عسكري مباشر هو تصور غير واقعي.

أحد أبرز الأمثلة على هذه الأوهام العقلية هو محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري ومستشار المرشد الجديد مجتبى خامنئي. لعب رضائي دورًا محوريًا في الحرب الإيرانية العراقية بين 1980 و1988، حيث أشرف على إرسال آلاف المقاتلين الشباب إلى الجبهات وهم يحملون “مفاتيح الجنة البلاستيكية”، رمزًا لضمان دخولهم الجنة في حال استشهادهم. هذه الرمزية، جزء من التعبئة الأيديولوجية، تظهر التناقض بين الأوهام الفكرية والواقع الميداني، إذ تكبد النظام خسائر بشرية كبيرة قبل أن ينهي رضائي الحرب برسالة شهيرة إلى الخميني دون تحقيق الأهداف المعلنة.

بعد انتهاء قيادته للحرس، تولى مناصب سياسية واستشارية متعددة، بما في ذلك أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام ومستشار عسكري للقائد العام للقوات المسلحة. ورغم فشله العسكري، قدم نفسه كمنظر استراتيجي وفيلسوف اقتصادي، مدعيًا التفوق على مفكرين عالميين مثل نعوم تشومسكي وهنري كيسنجر في توقعاته حول تحولات القوى العالمية.

المصادر تصف أفكاره الاقتصادية والفلسفية بـ”الأوهام”، بسبب انفصاله عن الواقع وتضخيم صورته الذاتية. كان يروج لقدرة إيران على تحويل التهديدات إلى فرص، وابتكار “تكنولوجيا إنتاج الطاقة”، مع توقع انهيار الغرب وبروز آسيا والصين كقوة مهيمنة، وإعادة “الروحانية المفقودة” للبشرية عبر الذكاء الاصطناعي والحواسيب الكمومية. هذه الطروحات اعتُبرت غير واقعية وتعكس رفضًا مرضيًا للواقع، في ظل أزمات داخلية مثل الاقتصاد المتدهور وجائحة كورونا.

في لقاءاته التلفزيونية المتداولة، هدد رضائي الولايات المتحدة بأسر جنود أمريكيين خلال الأيام الأولى لأي مواجهة، ومطالبتهم بفدية مالية ضخمة لحل الأزمات الاقتصادية في إيران، مؤكداً أن أي هجوم أمريكي سيكون عاجزًا. لكنه في الواقع يربط هذه الاستراتيجيات بمفهوم حماية الثورة وإعادة بناء الوطن، في خطاب يمزج الطموح المبالغ فيه بالخيال الاستراتيجي.

أما سعيد جليلي، أمين مجلس الأمن القومي الجديد، فقد عُيّن أيضًا من قبل المرشد مجتبى خامنئي، ويبدو أنه مصاب بالأوهام نفسها. في أول مؤتمر انتخابي له في استاد شيرودي بالعاصمة طهران، ادعى جليلي أن آية الله خميني أكد مرارًا أن إيران تسعى لتوسيع نفوذ الإسلام وتقليص نفوذ الهيمنة العالمية، وأنه لا يوجد سبب يمنع دعوة المسلمين حول العالم للتمسك بمبادئ اكتساب النفوذ والسلطة. وبناءً على هذا الخطاب، قدم جليلي وعدًا بتأسيس ما وصفه بـ«الإمبراطورية الإسلامية»، وهو تصور غير واقعي يعكس التوهم الاستراتيجي.

ويأتي هذا الوهم في سياق دولي يكشف التناقض بين خطاب جليلي وأرض الواقع. ففي عام 2019، أصدر الدبلوماسي الأمريكي ويليام جوزيف برنز كتابه بعنوان «المفاوضات وراء الكواليس»، حيث كشف عن جهود إدارة أوباما للتفاوض مع إيران والمراسلات السرية مع القيادة الإيرانية العليا. وذكر برنز تفاصيل أولى المفاوضات مع سعيد جليلي، قائلاً إنه ألقى خطابًا دام نحو 45 دقيقة عن تاريخ وثقافة إيران، محاولًا إرباك الحاضرين وإبهارهم، مع تجنب الإجابة المباشرة على الأسئلة الجوهرية. وأضاف برنز بسخرية أنه كان يدرس جزئيًا في جامعة طهران، “ولا يحسد طلابه على الإطلاق”.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: إذا كان المرشد السابق علي خامنئي، وهو محاط بمستشارين وقيادات إيرانية ذات خبرة، لم يتمكن من إبعاد البلاد عن حرب مدمرة ألحقت حتى الآن أضرارًا واسعة في هرم القيادة وبالبنية التحتية والعسكرية والنووية والصاروخية في إيران، فهل يستطيع مجتبى المبتدئ في عالم السياسة، المتخفي والغائب ومحاط بمجانين ومتوهمين مثل سعيد جليلي ومحسن رضائي، أن يخرج النظام الهالك من ورطته؟

باختصار، ما نشهده اليوم هو الفجوة الشاسعة بين وهم القيادة الإيرانية والواقع الصعب: إيران تتدهور بسرعة، والتحالفات الدولية ليست مطواعة لمصالحها بالكامل، والقيادة الإيرانية تعيش في حلم غير واقعي، بينما الواقع على الأرض يدفع نحو تداعيات سريعة وخطيرة، وسط أخطاء استراتيجية واضحة وأوهام عقلية عميقة، تتضح أكثر عند مقارنة خطاباتها مع التجارب والملاحظات الدولية الحقيقية.

الإتحاد الوطني الأحوازي- اللجنة الإعلامية

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑