في يناير 1988، اتخذ الخميني خطوة حاسمة في توضيح مفهوم «ولاية الفقيه المطلقة». ففي رسالة إلى علي خامنئي بتاريخ 6 يناير 1988، أكد أن الحكومة الإسلامية، بوصفها فرعًا من الولاية المطلقة، تتمتع بصلاحيات واسعة، وأن مصلحة الحكومة الإسلامية يمكن أن تتقدم في ظروف معينة على بعض الأحكام الثانوية للشريعة. وفي رسالة أخرى بتاريخ 11 يناير 1988، ورد عنوان «الولاية المطلقة للفقيه» بصورة صريحة.
وبذلك منح الخميني ولاية الفقيه أساسًا نظريًا لممارسة سلطة واسعة على شؤون الدولة، وأصبح مفهوم «الولاية المطلقة» أكثر وضوحًا في خطابه السياسي والفقهي.
وفي فبراير 1988، أُنشئ «مجمع تشخيص مصلحة النظام» بقرار من الخميني ليكون جهةً تفصل في الخلافات التي كانت تنشأ بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور. وقد شكّل إنشاء هذا المجمع خطوة مهمة في توسيع دور القيادة الدينية داخل النظام السياسي.
تعديل الدستور عام 1989 والطريق إلى القيادة الدائمة لخامنئي
أدت الخلافات السياسية والمؤسساتية في أواخر عهد الخميني، ولا سيما الخلافات المتعلقة بمؤسسة القيادة وبالعلاقة بين المؤسسات المختلفة، إلى طرح مسألة تعديل الدستور.
وفي أبريل 1989، كلّف روح الله الخميني هيئةً لمراجعة الدستور، وكانت الهيئة مؤلفة من عشرين عضوًا عيّنهم الخميني، إضافة إلى خمسة أعضاء اختارهم مجلس الشورى، أي خمسةً وعشرين عضوًا في المجموع. وبدأت الهيئة أعمالها في أواخر أبريل، واستمرت في مراجعة الدستور حتى يوليو 1989.
وفي 3 يونيو 1989 (14 خرداد 1368)، أي بعد نحو عشرة أشهر من انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، وقبل طرح التعديلات الدستورية للاستفتاء، توفي روح الله الخميني.
عقد مجلس خبراء القيادة جلسة استثنائية في اليوم نفسه لمناقشة مسألة القيادة الجديدة. وكان من بين الاقتراحات الأولى ترشيح آية الله صافي گلپايگاني، لكن الاقتراح لم يحصل على الأصوات اللازمة. كما طُرح تشكيل مجلس للقيادة يضم موسوي أردبيلي، وعلي مشكيني، وعلي خامنئي، إلا أن هذا الاقتراح أيضًا لم يحصل على الأصوات المطلوبة.
وفي نهاية المطاف، تولّى أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان يدير الجلسة، زمام المبادرة في النقاش، ونقل رواية عن روح الله الخميني، قدّم فيها علي خامنئي باعتباره أحد الأشخاص الذين رأى الخميني أنهم يمكن أن يتولوا القيادة.
وقال رفسنجاني، بحسب روايته عن ذلك الاجتماع في مذكراته: «في اجتماع حضرناه برفقة رؤساء السلطات الثلاث وبعض السادة، والتقينا الإمام، وأعربنا عن قلقنا من حدوث فراغ في القيادة بعد عزل السيد منتظري من قبله، قال الإمام: لن يحدث فراغ في القيادة، لديكم أشخاص. فقلنا: من هو؟ فقال، بحضور السيد خامنئي: السيد خامنئي نفسه».
وبحسب رواية رفسنجاني، أسهمت مداخلاته ونقله لهذه الرواية عن الخميني في توجيه النقاش نحو علي خامنئي. وعلى الرغم من أن خامنئي أظهر في الجلسة عدم رغبته في تولي القيادة، فإن مجلس الخبراء صوّت في النهاية لصالح اختياره، وحصل على 60 صوتًا من أصل 74 عضوًا حاضرًا، أي أكثر من أربعة أخماس الحاضرين.
وكان اختيار خامنئي في تلك المرحلة مؤقتًا، إلى حين الانتهاء من مراجعة الدستور وطرح التعديلات على الاستفتاء، إذ كان الدستور القائم آنذاك لا يزال يشترط أن يكون القائد مرجعًا للتقليد.
ثم استمرت عملية تعديل الدستور بعد وفاة الخميني، واكتملت في يوليو 1989. وطُرحت التعديلات للاستفتاء في 28 يوليو 1989 (6 مرداد 1368)، وحصلت على موافقة الناخبين.
ومن أهم التعديلات التي طالت مؤسسة القيادة (رهبري) في تعديل الدستور عام 1989 إلغاء شرط المرجعية، وإعادة صياغة شروط القائد، وإنهاء صيغة مجلس القيادة بوصفها إحدى الصيغ الدستورية لممارسة القيادة، إضافة إلى إعادة تنظيم صلاحيات المرشد وتوسيعها.
ففي الدستور السابق، كانت المادة 107 تربط اختيار القائد بالمرجعية والقيادة، إذ نصت على أن خبراء منتخبين من الشعب يبحثون في الأشخاص الذين تتوافر فيهم «صلاحية المرجعية والقيادة»، كما أتاحت، في حال عدم اختيار مرجع واحد للقيادة، تشكيل مجلس قيادة مؤلف من ثلاثة أو خمسة مراجع مستوفين لشروط القيادة. أما المادة 109، فقد نصت صراحةً على أن من شروط القائد أو أعضاء مجلس القيادة «الكفاءة العلمية والتقوى اللازمتين للإفتاء والمرجعية».
وفي تعديل عام 1989، أُعيدت صياغة المادتين 107 و109. فأصبحت المادة 107 تنص على أن مجلس خبراء القيادة يبحث في الفقهاء المستوفين للشروط الدستورية، ويختار أحدهم قائدًا، بينما أُلغيت منها صيغة مجلس القيادة. كما حُذفت كلمة «المرجعية» من المادة 109، وأصبح الشرط العلمي للقائد هو «الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه».
وبذلك لم يعد الدستور المعدل يشترط أن يكون القائد مرجعًا للتقليد، بل اكتفى بتوافر المؤهلات الفقهية والسياسية والإدارية المحددة في المادة 109. وكان لهذا التغيير أثر مباشر على شروط القيادة، إذ أتاح دستوريًا اختيار فقيه يمتلك الكفاءة اللازمة للإفتاء والقيادة من دون أن يكون قد بلغ مرتبة المرجعية.
وانعكس هذا التغيير أيضًا على المادة الخامسة، التي أصبحت بعد التعديل تنص على ما يلي:
«في زمن غيبة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على عاتق الفقيه العادل والتقي، العارف بزمانه، الشجاع، المدير والمدبّر، الذي يتولى هذه المسؤولية وفقًا للمادة 107.»
وبذلك أصبحت المادة الخامسة تحيل مباشرة إلى المادة 107 في تحديد كيفية تولي القيادة، بدل الصيغة السابقة التي كانت مرتبطة أيضًا بإطار المرجعية وإمكان وجود مجلس للقيادة.
ولم يقتصر التعديل على شروط القائد وطريقة اختياره، بل امتد إلى تحديد طبيعة السلطة التي يمارسها. فقد أضيفت كلمة «المطلقة» إلى المادة 57، فأصبحت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس صلاحياتها «تحت إشراف الولاية المطلقة للأمر وإمامة الأمة»، مع بقائها مستقلة عن بعضها البعض.
وهكذا أدّى تعديل عام 1989 إلى انتقال مؤسسة القيادة من صيغة دستورية كان فيها شرط المرجعية ومجلس القيادة حاضرين بصورة واضحة، إلى صيغة تقوم على قيادة فردية لا تشترط المرجعية، مع إدراج عبارة «الولاية المطلقة للأمر وإمامة الأمة» صراحةً في نص الدستور.
وبذلك لم يعد مفهوم الولاية المطلقة مجرد مفهوم فقهي وسياسي متداول في أدبيات الخميني، بل أصبح جزءًا صريحًا من الصياغة الدستورية لمؤسسة القيادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
يتبع

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك