قرن من التهميش ووعود فارسية مؤجلة… إلى متى يتأخر تقرير مصير الشعب الأحوازي؟/ حامد الكناني

في الذكرى التي تتجاوز مائة عام على احتلال الأحواز، لا يبدو هذا الحدث مجرد حدث تاريخي منسي، بل قضية ممتدة تكشف عن تناقضات عميقة في الخطاب السياسي، وتحولات حادة في موازين القوى الدولية، ومسار طويل من الصراع بين الهوية والسلطة. فالدولة التي سارعت إلى إدانة أي تهديد يمس وجودها، واعتبرت التصريحات التي تتحدث عن “محوها من الخريطة” عملاً عدوانياً مرفوضاً، هي نفسها التي تبنت لعقود خطاباً إقصائياً تجاه دول وشعوب أخرى، ولم تكتفِ بالشعارات، بل دعمت ذلك بسياسات عملية، في الخارج عبر دعم جماعات مسلحة، وفي الداخل عبر ممارسات طالت شعوباً غير فارسية، وفي مقدمتها الشعب العربي في الأحواز.

قبل عام 1925، لم تكن الأحواز مجرد إقليم تابع، بل كياناً سياسياً يتمتع بقدر معتبر من الاستقلال ضمن منظومة معقدة من التوازنات. فقد حافظت الإمارة، بقيادة الشيخ خزعل بن جابر آل مرداو، على وضع خاص يجمع بين التبعية الاسمية للتاج القاجاري والاستقلال الفعلي في إدارة شؤونها الداخلية، في صيغة سياسية مرنة تشبه إلى حد بعيد أنماط الحكم غير المباشر. هذا الوضع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار تاريخي بدأ منذ معاهدة أرضروم الثانية عام 1847، حين اختار شيوخ الأحواز الارتباط بالتاج القاجاري بدلاً من الدولة العثمانية، مع الاحتفاظ بهامش واسع من الاستقلال الداخلي.

ومع مطلع القرن العشرين، ازدادت أهمية الأحواز بشكل كبير، خاصة بعد تأمين الملاحة في نهر كارون واكتشاف النفط، ما جعلها نقطة تقاطع حيوية بين المصالح البريطانية والطموحات الفارسية. في هذا السياق، نشأت علاقة معقدة بين الشيخ خزعل وبريطانيا، تجسدت في مراسلات دبلوماسية مكثفة بين عامي 1904 و1910، و1914 تضمنت ما عُرف بالضمانات البريطانية. غير أن لندن فسرت هذه الوعود، رغم أهميتها، بانها لم تكن التزاماً مطلقاً، بل صيغت بحذر شديد لتبقى ضمن حدود المصالح البريطانية، فاقتصرت في معظمها على الدعم السياسي والدبلوماسي، مع إبقاء خيار التدخل العسكري مشروطاً بتهديد المصالح الحيوية، خصوصاً في وادي كارون.

وقد تعزز هذا الترابط مع دخول النفط إلى المعادلة، حين تحولت الأحواز إلى مركز استراتيجي للطاقة. ففي عام 1909، تم التوصل إلى اتفاق بين الشيخ خزعل وشركة النفط الأنجلو-فارسية لإنشاء منشآت نفطية في عبادان، مقابل إيجار سنوي وضمانات سياسية. أدرك الشيخ حينها أن النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ورقة سياسية تعزز موقعه في مواجهة الضغوط، فالتزم بحماية المنشآت وضمان الاستقرار، في محاولة لترسيخ استقلاله الواقعي.

لكن هذه المعادلة لم تدم طويلاً. فبعد الحرب العالمية الأولى، تغيرت أولويات بريطانيا بشكل جذري، حيث انتقلت من سياسة دعم الكيانات المحلية إلى تأييد قيام دولة مركزية قوية في طهران، قادرة على تأمين الاستقرار ومواجهة النفوذ السوفيتي وضمان تدفق النفط. في هذا السياق، برز رضا خان كمشروع سياسي جديد، يحمل رؤية مركزية حازمة، ما جعل الوجود شبه المستقل للأحواز يُنظر إليه كعقبة أمام بناء الدولة الحديثة.

تدريجياً، فقد الشيخ خزعل الدعم الذي كان يشكل ركيزة أساسية لقوته، وتحولت الوعود البريطانية إلى عبء سياسي غير قابل للتنفيذ. ورغم محاولاته المتكررة للحصول على دعم أو ضمانات، جاء الرد واضحاً: لا استعداد لمواجهة عسكرية مع طهران. بل إن بريطانيا ذهبت أبعد من ذلك، حين سحبت حتى اعتراضاتها الدبلوماسية، مفضلة علاقتها مع السلطة المركزية.

وفي أبريل 1925، جاءت اللحظة الحاسمة عبر عملية استدراج محكمة انتهت باختطاف الشيخ خزعل والغدر به من على متن يخته في شط العرب، ونقله إلى طهران تحت الحراسة، حيث وُضع تحت الإقامة الجبرية، لتُطوى بذلك صفحة الإمارة العربية رسمياً. لم يكن هذا الحدث مجرد نهاية لحكم العربي، بل بداية لمرحلة جديدة من إعادة تشكيل الإقليم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، حيث تمت مصادرة الأراضي والثروات، وإلغاء الهياكل التقليدية للسيادة العربية، وفرض نموذج الدولة المركزية.

لاحقاً، لم تقتصر الإجراءات على الإقصاء السياسي، بل امتدت إلى تصفية الشيخ نفسه عام 1936 في طهران، في عملية اغتيال كشفت عن طبيعة المرحلة التي سعت إلى إنهاء أي رمزية تاريخية يمكن أن تعيد إحياء فكرة الاستقلال. وهكذا، لم تُمحَ الإمارة فقط من الواقع السياسي، بل جرى العمل على محو أثرها من الذاكرة العامة.

على مدى العقود التالية، واجه الشعب الأحوازي سياسات متعددة الأبعاد، شملت التهميش الاقتصادي، والتضييق الثقافي، وإعادة تشكيل البنية السكانية، وهي سياسات، بغض النظر عن اختلاف التفسيرات حولها، أسهمت في خلق شعور مستمر بالظلم والتهميش. وفي الوقت ذاته، بقيت الأحواز منطقة غنية بالموارد، خصوصاً النفط، ما عمّق المفارقة بين ثراء الأرض ومعاناة السكان.

وفي هذا السياق، يتجلى التناقض في الخطاب الإيراني بصورة أكثر وضوحاً. فالدولة التي ترفض التهديدات الوجودية وتدين خطاب الإبادة، تُتهم من قبل خصومها بممارسة سياسات إقصائية داخل حدودها. هذا التناقض لا يطرح فقط إشكالاً أخلاقياً، بل ينعكس أيضاً على مصداقية الخطاب السياسي في المحافل الدولية، ويعيد طرح تساؤلات قديمة حول معايير العدالة وازدواجية المواقف.

بعد أكثر من قرن على هذه الأحداث، لا تزال القضية الأحوازية حاضرة، وإن بدرجات متفاوتة من الاهتمام. فالتاريخ لم يُغلق هذا الملف، بل تركه مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها موازين القوى أكثر مما تحكمها المبادئ. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن أن يشهد العالم تحولاً في نظرته إلى قضايا من هذا النوع، أم أن المصالح ستظل العامل الحاسم كما كانت في الماضي؟

إن تجربة الأحواز تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل السياسة الدولية مع مصائر الشعوب، وكيف يمكن للوعود، مهما بدت قوية، أن تتلاشى أمام تغير المصالح. كما تبرز حقيقة أن القضايا التي لا تجد صدى كافياً في النظام الدولي قد تستمر لعقود دون حل، حتى وإن بقيت حية في وجدان أبنائها.

وفي النهاية، تبقى الأحواز أكثر من مجرد قضية تاريخية؛ إنها قصة مستمرة عن الهوية والسلطة، عن الوعود التي لم تُنفذ، وعن العدالة التي لا تزال مؤجلة. ومع مرور الزمن، قد تتغير الظروف، لكن السؤال سيبقى قائماً: هل يأتي يوم يُعاد فيه النظر في هذا الملف بما يحقق توازناً بين الواقع السياسي وحقوق الشعوب، أم سيظل مثالاً آخر على صفحات التاريخ التي كُتبت بمنطق القوة أكثر من منطق العدالة؟

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑