الاتحاد الوطني الأحوازي، لجنة البحوث والدراسات.
بعد ما يقارب سبعة وأربعين عاماً على تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، لم تعد الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني مجرد أزمة حكومة أو خلاف بين تيارات سياسية متنافسة، بل تحولت إلى أزمة بنيوية شاملة تمس طبيعة الدولة نفسها، وأسس شرعيتها، وطريقة إدارتها للمجتمع والاقتصاد والعلاقات الخارجية. فالنظام الذي قام على شعارات “الثورة الإسلامية” و”تصدير الثورة” و”العداء للغرب” و”نصرة المستضعفين”، انتهى إلى إنتاج دولة غارقة في الانقسامات الداخلية، والفساد، والقمع، والعزلة، والانهيار الاقتصادي، فيما تتصارع أجنحته اليوم على السلطة والنفوذ تحت الخطاب ذاته الذي استُهلك لعقود دون أن يحقق استقراراً أو تنمية أو مشروعاً وطنياً حقيقياً.
وتكشف التصريحات الحادة التي أطلقها النائب الإيراني كامران غضنفري ضد الرئيس مسعود بزشكيان وحكومته، وضد شخصيات مثل حسن روحاني ومحمد جواد ظريف وعباس عراقجي، حجم الانفجار الداخلي الذي يضرب بنية النظام. فهذه التصريحات لا تعبر عن نقاش سياسي طبيعي داخل دولة مستقرة، بل تكشف عن نظام يعيش حالة شك متبادل وانعدام ثقة عميق، حيث يتهم كل جناح الآخر بالخيانة، والتفريط، وتهديد “الثورة” من الداخل.
الأخطر أن هذا الصراع لا يدور حول تحسين حياة الإيرانيين، أو إنقاذ الاقتصاد، أو معالجة البطالة والفقر والتضخم، بل يتمحور حول قضايا الحرب، والتصعيد العسكري، وحدود الولاء للمرشد، ومن يمتلك حق احتكار “الثورية”. وهذا بحد ذاته يكشف طبيعة الأزمة الإيرانية: دولة تُدار منذ عقود بعقلية أمنية وعسكرية وأيديولوجية، فيما يُترك المجتمع يواجه الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وحده. فبعد كل هذه السنوات، لم ينجح النظام في بناء اقتصاد منتج أو مؤسسات مستقرة أو عقد اجتماعي متوازن، بل اعتمد باستمرار على الخطاب التعبوي والطائفي لتبرير فشله الداخلي وتوسعه الخارجي.
إن لغة التخوين التي يستخدمها غضنفري ضد بزشكيان تكشف أن النظام لم يعد يحتمل حتى الخلافات التكتيكية داخله. فالرئيس يُتهم بأنه “يعطل الرد العسكري”، و”يمنع القوات المسلحة من أداء واجبها”، و”ينقذ إسرائيل وأمريكا”، و”يهدد بالاستقالة لوقف العمليات العسكرية”، بينما يُصوَّر التيار المقابل باعتباره “حارس الثورة” و”المدافع عن المرشد”. وهذه اللغة لا تعكس قوة النظام، بل تعكس هشاشته وعجزه عن إدارة التنوع السياسي داخله إلا بمنطق التخوين والإقصاء.
لقد أمضى النظام الإيراني عقوداً في صناعة صورة “العدو الخارجي” لتبرير القمع الداخلي وتعبئة المجتمع خلف السلطة. لكن المفارقة أن هذا المنطق نفسه بدأ يلتهم النظام من الداخل. فكل جناح يتهم الآخر اليوم بأنه يخدم “الأعداء”، أو يضعف “محور المقاومة”، أو يفتح الطريق أمام الاختراق الأمريكي والإسرائيلي. وبذلك، أصبحت مؤسسات النظام نفسها تعيش حالة حرب باردة دائمة، تُدار عبر التسريبات والاتهامات والتهديدات المتبادلة.
كما تكشف هذه السجالات أن النظام الإيراني فشل في التحول من “دولة ثورية” إلى “دولة مؤسسات”. فبعد نحو نصف قرن، لا تزال القرارات المصيرية تُدار بمنطق الولاءات الشخصية والعقائدية لا بمنطق الدولة الحديثة. فالرئاسة، والبرلمان، والحرس الثوري، ومكتب المرشد، والأجهزة الأمنية، كلها تتحرك كجزر متنافسة داخل بنية واحدة، فيما يغيب مفهوم المؤسسات المستقلة أو الرقابة أو الشفافية. ولهذا تتحول كل أزمة سياسية أو عسكرية إلى صراع وجودي بين أجنحة السلطة نفسها.
أما ما يسمى “تيار المساومة” الذي يهاجمه غضنفري، فهو في الحقيقة يعكس مأزقاً آخر داخل النظام. فهذا التيار الذي يرفع شعارات “العقلانية” و”التفاوض” و”خفض التصعيد”، لا يطرح مشروعاً إصلاحياً حقيقياً، بل يحاول فقط إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار. فحتى التيار الذي يوصف بالمعتدل ظل شريكاً في بنية الحكم الأمنية، وشارك في القمع الداخلي، وفشل خلال سنوات حكمه في تحقيق إصلاحات بنيوية أو حماية الحريات أو إنهاء عزلة إيران الدولية. ولذلك فإن الصراع بين “الإصلاحيين” و”المتشددين” غالباً ما يبدو صراعاً على إدارة الأزمة لا على تغيير طبيعة النظام نفسها.
وفي المقابل، يواصل التيار المتشدد استخدام الخطاب الثوري والطائفي بوصفه أداة تعبئة دائمة. فكل دعوة للتفاوض تُقدَّم كخيانة، وكل محاولة لخفض التصعيد تُفسَّر على أنها “جبن” أو “استسلام”. لكن هذا الخطاب، الذي هيمن لعقود على السياسة الإيرانية، قاد البلاد إلى مزيد من العقوبات والعزلة والتوترات الإقليمية، دون أن يحقق استقراراً أو رخاءً للشعب الإيراني. بل إن هذا النهج ساهم في تحويل إيران إلى دولة تعيش اقتصاد حرب دائم، حيث تُستنزف الموارد في الصراعات الخارجية بينما تتدهور أوضاع المواطنين في الداخل.
كما تكشف الاتهامات المتعلقة بالاقتصاد ورفع الأسعار و”افتعال الأزمات” حجم الإفلاس السياسي للنظام. فبدلاً من الاعتراف بأن التضخم والبطالة والانهيار المعيشي هي نتائج طبيعية لعقود من الفساد والعقوبات وسوء الإدارة، يجري تصوير الأزمات الاقتصادية كمؤامرات أمنية أو مخططات لإثارة الفوضى. وهذه العقلية تعكس خوف النظام المزمن من الشارع الإيراني، وعجزه عن فهم الاحتجاجات باعتبارها تعبيراً مشروعاً عن الغضب الاجتماعي، لا مجرد أدوات بيد الخارج.
واللافت أن الخطاب الرسمي الإيراني، بمختلف تياراته، لم ينجح خلال 47 عاماً في إنتاج هوية وطنية جامعة لكل شعوب إيران وقومياتها، بل اعتمد في كثير من الأحيان على مركزية قومية وطائفية ضيقة عمقت التهميش والقمع ضد الشعوب غير الفارسية، ومنها الشعب الأحوازي والبلوش والكرد وغيرهم. فبدلاً من بناء دولة مواطنة متساوية، استمرت السلطة في استخدام الأيديولوجيا الدينية والأمنية لإدارة التنوع القومي والمذهبي بالقوة، ما عمق الاحتقان الداخلي ووسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما تعكسه هذه التصريحات هو أن النظام الإيراني لم يعد يملك سردية موحدة حتى داخل نخبته الحاكمة. فهناك من يرى “العقلانية” في التفاوض وتجنب الحرب، وهناك من يرى “الثورية” في التصعيد العسكري الدائم، لكن الطرفين يتفقان ضمنياً على استمرار بنية الحكم نفسها القائمة على احتكار السلطة وقمع المعارضة وربط مصير الدولة ببقاء النظام. ولذلك يبدو الصراع الحالي أقرب إلى صراع على من يدير الأزمة، لا على كيفية إنقاذ إيران من أزمتها التاريخية.
وفي النهاية، فإن ما تكشفه هذه الانقسامات ليس قوة الجمهورية الإسلامية، بل حالة إنهاك سياسي وتآكل داخلي عميق. فالنظام الذي قدّم نفسه لعقود باعتباره نموذجاً “ثورياً” بديلاً، انتهى إلى إنتاج دولة تعيش على الأزمات الدائمة والخطابات الشعبوية والتعبئة الطائفية، فيما تتصارع أجنحته اليوم على سلطة فقدت كثيراً من شرعيتها في الداخل والخارج. وبعد ما يقارب نصف قرن، تبدو إيران أمام واقع واضح: نظام استنزف المجتمع باسم الثورة، واستنزف الدولة باسم الصراع، ثم وجد نفسه أخيراً عاجزاً حتى عن إخفاء انقساماته الداخلية أمام الرأي العام.
الاتحاد الوطني الأحوازي، لجنة البحوث والدراسات.
اكسر الصمت وعبّر عن رأيك