يُعدّ الدستور الإيراني من أكثر الدساتير إثارةً للجدل، بسبب ما يتضمّنه من تناقضات بين النصوص النظرية والتطبيق العملي، فضلًا عن الطابع المطّاطي في تفسير عدد من مواده، الأمر الذي أتاح للسلطات توظيفها بصورة تخدم بقاء النظام وتقييد الحريات. وقد عانت مختلف الشعوب والمكوّنات القومية والدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية داخل ايران من سياسات القمع والتهميش، رغم وجود مواد دستورية تتحدث ظاهريا عن العدالة والمساواة والحقوق العامة.
وفي الوقت الذي تنص فيه بعض المواد على حرية التعبير وحق التجمع والمساواة بين المواطنين، تُقيَّد هذه الحقوق بعبارات فضفاضة ذات تفسير واسع، مثل: «بما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام»، أو «وفق مصلحة النظام»، أو «القيام بتهديد أمن الدولة» (كما يأتي في المواد: 24، 26، 27، 28، 112 وغيرها). وهي عبارات تُستخدم غالبًا لتبرير منع النشاطات السياسية والثقافية والإعلامية، وقمع المعارضين والنشطاء. كما أن التناقض بين مبدأ «سيادة الشعب» وبين الهيمنة المطلقة لمؤسسة «ولاية الفقيه» جعل كثير من مؤسسات الدولة المنتخبة فاقدة للاستقلال الحقيقي، حيث تبقى قراراتها خاضعة لإرادة المرشد والمؤسسات غير المنتخبة المرتبطة به.
وبسبب هذه البنية الدستورية، تعرّضت القوميات غير الفارسية بشكل خاص، إلى جانب الأقليات الدينية والتيارات السياسية المختلفة، لقيود واسعة على الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية، إضافة إلى حملات الاعتقال والتضييق ومنع الحريات العامة، ما جعل الهوّة كبيرة بين ما ينص عليه الدستور نظريًا وما يُطبَّق فعليًا على أرض الواقع.
فيما يلي نماذج من المواد المتناقضة في الدستور الإيراني، والتي تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها تتناقض مع التطبيق العملي أو مع مواد أخرى في الدستور نفسه:
المادة 12 من الدستور
«الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنا عشري هو المذهب الرسمي للدولة، وهو غير قابل للتغيير إلى الأبد…».
تُظهر هذه المادة بصورة واضحة تفضيل المذهب الشيعي على سائر المذاهب والأديان الأخرى في إيران.
في حين تنص مواد أخرى من الدستور الإيراني، لا سيما المادتان 19 و20، على وحدة الشعب الإيراني، والمساواة بين المواطنين، وتمتعهم بحقوق متساوية دون أي تمييز، وهو ما يكشف عن تناقض واضح بين النصوص التي تؤكد مبدأ المساواة والحقوق العامة، وبين منح امتياز دستوري دائم لمذهب محدد دون غيره.
وما يؤكد ذلك بصورة جلية هو التطبيق السياسي للنظام الإيراني على مدى سبعة وأربعين عام، حيث لا يزال أتباع بعض المذاهب والأديان، مثل البهائيين والمندائيين والمواطنين السنّة وغيرهم، يواجهون قيودًا تحول دون وصولهم إلى مناصب قيادية وبارزة، كرئاسة الجمهورية وبعض المواقع العليا في مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، توجد للديانة الزرادشتية معابد كبيرة ومعروفة في ايران، لا سيما في مدينة يزد، تُمارَس فيها شعائرهم الدينية بحرية، بينما لا يُسمح لمسلمي السنّة بامتلاك مسجد رسمي واحد في العاصمة طهران، الأمر الذي يكشف حجم التناقض بين المبادئ الدستورية المعلنة وبين مبدأ العدالة والمساواة في التطبيق العملي لدستور هذا النظام.
المادة 15 من الدستور
«اللغة والخط الرسميان والمشتركان للشعب الإيراني هما الفارسية، ويجب أن تكون الوثائق والمراسلات الرسمية والنصوص والكتب الدراسية بهذه اللغة والخط. إلا أنّ استخدام اللغات المحلية والقومية الأخرى في الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وكذلك تدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية، أمرٌ مسموح به».
من أبرز المطالب التي رفعتها الشعوب غير الفارسية في إيران خلال الأيام الأولى التي أعقبت انتصار الثورة عام 1979، كانت المطالبة بحقوقها الثقافية والقومية، وفي مقدمتها تدريس اللغة الأم والاعتراف بالهوية القومية، ضمن إطار حكم ذاتي للأقاليم التي أُلحقت بالدولة الإيرانية بالقوة العسكرية إبّان حكم رضا شاه آنذاك.
لكنّ روح الله الخميني رفض حينها منح الحكم الذاتي للشعوب، وذلك خلال لقائه بممثلي تلك الشعوب في طهران. ورغم إدراج المادة الخامسة عشرة في الدستور الإيراني، والتي تنصّ على السماح باستخدام اللغات القومية والمحلية في الصحافة ووسائل الإعلام وتدريس آدابها إلى جانب اللغة الفارسية، فإنّ السلطات لم تسمح فعليًا بتدريس اللغات الأم لهذه الشعوب بشكل رسمي.
و هكذا بقيت اللغة الفارسية اللغة الوحيدة المهيمنة على المؤسسات التعليمية والإدارية والثقافية، فيما استمرت سياسات التفريس تجاه مختلف المكوّنات غير الفارسية في إيران بصورة ممنهجة حتى وقتنا الحاضر.
المادة 19
«يتمتع أبناء الشعب الإيراني، من أي قومية أو قبيلة كانوا، بحقوق متساوية، ولا يُعدّ اللون أو العِرق أو اللغة أو ما شابه ذلك سببًا للامتياز».
إلّا أنّ منتقدي النظام الإيراني يرون أنّ التطبيق العملي لهذه المادة بقي محدودًا، في ظل استمرار التمييز في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية بحق مختلف شرائح المجتمع والمكوّنات العرقية، سواء في المناصب العليا أو التنمية الاقتصادية أو الحريات الثقافية.
فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بالتمييز الاقتصادي، فإنّ معظم الشركات والمؤسسات الاقتصادية والإدارية في الأحواز تكاد تكون خاضعة لهيمنة القومية الفارسية، فيما يتم اختيار العاملين فيها من غير العرب الذين يُجلبون من مختلف المدن الفارسية، على حساب أبناء الأرض الأصليين الذين يعانون البطالة والتهميش.
وقد أدى هذا الواقع المرير إلى اضطرار بعض العرب إلى تغيير ألقابهم العربية إلى ألقاب فارسية للحصول على فرصة عمل تقيهم الجوع والفقر، بينما يُجبر آخرون على الهجرة إلى المدن الفارسية بحثًا عن لقمة العيش، وهو ما يراه الأحوازيون جزءًا من سياسة نظام ولاية الفقيه الهادفة إلى تفريس العرب وإذابتهم تدريجيًا داخل المدن والمجتمعات الفارسية.
المادة 20
تنصّ على أن:
«جميع أفراد الشعب، رجالًا ونساءً، يتمتعون بحماية القانون ويتمتعون بالحقوق الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية».
إلّا أنّ الواقع العملي يشير إلى وجود تمييز وإجحاف واضحين بين الرجل والمرأة في قضايا الحضانة والسفر والزواج، فضلًا عن العديد من القوانين ذات الطابع الديني المتعلقة بملبس المرأة وحرياتها الشخصية.
هذا إلى جانب التمييز القائم على أساس الدين والثقافة والانتماء القومي في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية بين مختلف الأعراق والمكوّنات.
المادة 23 — منع التفتيش في العقائد
«تفتيش العقائد ممنوع، ولا يمكن تعريض أي شخص للمساءلة أو المؤاخذة بمجرد امتلاكه عقيدة ما».
يمكن اعتبار هذه المادة من أكثر المواد إثارةً للسخرية في الدستور الإيراني، نظرًا للكم الهائل من الضحايا الذين أُعدموا أو زُجّ بهم في السجون أو اُجبروا على الهجرة وترك الوطن، فقط بسبب معتقداتهم الدينية أو السياسية طيلة حكم ولاية الفقية.
فقد تعرّض كثيرون للملاحقة بسبب اعتناقهم مذهبًا معينًا، كما يحدث في الأحواز عند اعتناق المذهب السنّي، أو لمجرد تبنّيهم أفكارا أو توجهات سياسية مخالفة لنهج النظام.
المادة 24 — حرية الصحافة
تنصّ هذه المادة على أن:
«الصحافة ووسائل الإعلام حرة، إلا إذا أخلّت بمبادئ الإسلام أو حقوق العامة».
وتُعدّ هذه المادة أيضًا من أكثر المواد إثارةً للجدل والنقاش، إذ إن عبارتي «الإخلال بمبادئ الإسلام» و«الحقوق العامة» فضفاضتان وقابلتان لتفسيرات واسعة، وغالبًا ما تُفسَّران وفق رؤية السلطة.
وقد استُخدمت هذه التفسيرات لإغلاق الصحف واعتقال عشرات الصحفيين، خصوصًا أولئك الذين ينتقدون سياسات الدولة أو المرشد أو المؤسسات الأمنية، ما جعل حرية الإعلام مشروطة إلى حد كبير طوال هذه السنوات العجاف.
المادة 27 — حرية التجمعات
تنصّ على:
«تشكيل الاجتماعات والمسيرات مسموح به، بشرط ألّا تكون مسلحة وألّا تُخلّ بأسس الإسلام».
وممّا لا يختلف عليه كثيرون، هو عدم السماح الفعلي بالتظاهر السلمي من قبل النظام الإيراني، حيث شهدت إيران خلال العقود الماضية منع أو قمع العديد من الاحتجاجات والمظاهرات السلمية لا سيما في أقاليم الشعوب الغير فارسية.
ومن أبرز الاحتجاجات السلمية التي قمعها النظام الإيراني:
1. انتفاضة الطلبة عام 1999، إثر إغلاق صحيفة سلام الإصلاحية.
2. انتفاضة الأحواز عام 2005 ضد التهجير الممنهج و التغيير الديموغرافي.
3. الحركة الخضراء عام 2009، تحت شعار: «أين صوتي؟» بسبب اتهامات بتزوير الانتخابات لصالح احمدي نجاد و خسارة مير حسين موسوي.
4. احتجاجات 2017–2018 لأسباب اقتصادية.
5. انتفاضة البنزين عام 2019، والتي تُعدّ من أكثر الاحتجاجات دموية، حيث سقط عدد كبير من المتظاهرين قتلى وجرحى خلال حملة القمع.
6. احتجاجات الأحواز والأقاليم عام 2021 بسبب أزمة المياه والتهميش الاقتصادي.
7. انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022.
8. احتجاجات ديسمبر 2025، إثر انهيار التومان وتفاقم الأزمة الاقتصادية و قتل من خلالها اكثر من ٣٠ الف من المتظاهرين.
المادة 32 — منع الاعتقال التعسفي
والمادة 38 — منع التعذيب
تُعدّ هاتان المادتان من أكثر المواد التي يُستشهد بها عند الحديث عن التناقض بين النصّ والتطبيق، في ظلّ آلاف التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والدولية، والتي تتحدث عن الاعتقالات غير القانونية أو التعذيب داخل السجون ومراكز التحقيق الرسمية وغير الرسمية.
المادة 56 — حق الإنسان في تقرير مصيره الاجتماعي
وصلاحيات المرشد في المادتين 107 و110
تنصّ المادة 56 على أنّ الله قد منح الإنسان حقّ السيادة على مصيره الاجتماعي.
إلّا أنّ هذا المبدأ يُطرح كثيرًا في إطار النقاش حول التطبيق العملي في إيران، حيث يرى منتقدون أنّ وجود سلطة شبه مطلقة وموسّعة للمرشد في نظام ولاية الفقيه يخلق تناقضًا بين مبدأ سيادة الشعب وبين وجود سلطة تعلو على المؤسسات المنتخبة، ما يجعل ممارسة هذا الحق محلّ جدل واسع بين النصّ الدستوري والواقع السياسي.
فبالرغم من وجود رئيس جمهورية وبرلمان منتخبين، تبقى الكلمة العليا في كثير من الملفات بيد المرشد، إذ يتقدّم البعد الديني على البعد الجمهوري في بنية الحكم بشكل واضح.
كانت هذه أبرز المواد التي تعكس تناقضا مع سلوكيات نظام يراه منتقدوه مثالًا للنفاق السياسي والديني، والذي ما يزال متسلطًا على رقاب الشعوب في إيران، دون أن يلتزم فعليًا بالإصلاح أو التراجع عن القوانين المجحفة، كما لا يلتزم حتى بتطبيق القوانين التي وضعها هو لنفسه.
ورغم وقوع عشرات الانتفاضات الشعبية ضده، فإنه يواصل ممارساته القائمة على الفساد والاستبداد، سواء داخليًا أو في علاقاته الخارجية، حتى في أشد الظروف صعوبةً التي يمرّ بها حاليا نتيجة الحروب والأزمات وما رافقها من إنهاك لقدراته العسكرية والاقتصادية.
وفي هذا السياق الحساس، وبعد أن تحمّلت الشعوب ما يقارب سبعة وأربعين عام من القمع وغياب نظام قانوني جاد، ما تزال هذه الشعوب تنتظر اليوم الذي تتمكن فيه من صياغة قوانين وتشريعات حقيقية ذات ضمانات تنفيذية فعّالة، تُصان من خلالها كرامة الإنسان و تُحترم حرياته المدنية و الفردية بعيدا عن الشعارات و المواد الشكلية في الدستور.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك