
لم تظهر مفهوم «ولاية الفقيه» بصورتها السياسية الحالية فجأة مع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، بل كانت لها جذور قديمة في الفقه الشيعي الامامي. وقد ناقش عدد من الفقهاء مسألة صلاحيات الفقيه في زمن غيبة الإمام، أي الإمام المهدي المنتظر وفقًا للمعتقد الشيعي،إلا أن من أبرز من صاغ فكرة ولاية الفقيه بصورة واضحة ومنهجية الفقيه الإيراني الملا أحمد النراقي (1771–1829)، ولا سيما في كتابه «عوائد الأيام». وقد منح النراقي الفقيه الجامع للشرائط صلاحيات واسعة في بعض شؤون المجتمع، وهو ما أصبح لاحقًا أحد المراجع التي استند إليها أنصار نظرية ولاية الفقيه.
لكن ما طرحه النراقي لم يكن هو نفسه النظام السياسي الذي ظهر في إيران بعد ثورة 1979. فقد كانت المسألة في الأصل بحثًا فقهيًا حول حدود سلطة الفقيه في عصر غيبة الإمام، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مشروع سياسي لإقامة حكومة يقودها الفقهاء.
أما روح الله الخميني، فقد بدأ في وقت مبكر بالاهتمام بمسألة دور الفقيه والحكومة، وظهرت إشارات إلى ذلك في كتابه «كشف الأسرار»، الذي نشره في أربعينيات القرن العشرين. إلا أن تصوره في تلك المرحلة لم يكن مطابقًا بعد للصيغة السياسية التي سيطرحها لاحقًا في النجف.
الخميني في النجف وولاية الفقيه
جاءت المرحلة الحاسمة أثناء إقامته في النجف بالعراق. ففي عام 1970 ألقى الخميني سلسلة من المحاضرات على طلاب الحوزة العلمية حول «الحكومة الإسلامية» وولاية الفقيه. وجُمعت هذه المحاضرات لاحقًا في كتاب «الحكومة الإسلامية: ولاية الفقيه».
في هذه المحاضرات انتقل الخميني خطوة أبعد من الطرح الفقهي السابق، إذ لم يعد يتحدث عن صلاحيات محدودة للفقيه، وإنما عن ضرورة قيام حكومة إسلامية، وأن يتولى الفقهاء وظائف سياسية وقضائية وتنفيذية في الدولة. وأصبحت ولاية الفقيه عنده جزءًا أساسيًا من تصور الحكومة الإسلامية في زمن غيبة الإمام المهدي المنتظر وفقا للمذهب الشيعي.
لكن صورة الخميني وخطابه السياسي قبل الثورة، ولا سيما خلال إقامته في باريس، تضمّنا تأكيدات متكررة بشأن الحريات العامة وحقوق المواطنين، إلى جانب تصريحات تفيد بعدم تولّي رجال الدين مباشرةً مناصب حكومية.
ويكشف ذلك عن تناقض واضح بين خطابه قبل الوصول إلى السلطة وممارساته اللاحقة، بما يمكن اعتباره تضليلًا للرأي العام وسعيًا إلى كسب التعاطف الغربي، وطمأنة مختلف الفئات السياسية والاجتماعية والعرقية في إيران.
فمن أقواله، حسب ما وردت في موقع «تريبون زمانه» الفارسي:
«الإنسان حرّ في الإبداء عن رأيه.»
«أول ما يستحقه الإنسان هو حرية التعبير.»
«مجتمعنا في المستقبل سيكون مجتمعًا حرًا.»
«الصحافة حرة في نشر جميع الحقائق والوقائع.»
«في الجمهورية الإسلامية، الشيوعيون أيضًا أحرار في التعبير عن آرائهم.»
«إحدى أسس الإسلام هي الحرية… والأساس الآخر للإسلام هو مبدأ الاستقلال الوطني.»
«برنامجنا هو تحقيق الاستقلال والحرية.»
«الحكومة الإسلامية حكومة قائمة على العدل والديمقراطية.»
«الدولة الإسلامية دولة ديمقراطية بالمعنى الحقيقي. أما أنا فلا أمارس أي نشاط داخل الدولة، وبنفس الطريقة التي أنا عليها الآن، عندما تتشكل الدولة الإسلامية، سيكون دوري هو دور التوجيه.»
«أنا وسائر رجال الدين لن نتولى مناصب في الحكومة… فمهمة رجال الدين هي إرشاد الحكومات. وسيكون دوري في الحكومة القادمة هو دور التوجيه.»
«في الحكومة الإسلامية، يتمتع جميع الأفراد بحرية التعبير عن أي عقيدة كانت.»
«النساء في الحكومة الإسلامية حرّات، وحقوقهن مثل حقوق الرجال.»
وتُظهر هذه التصريحات، عند مقارنتها بما أصبح عليه النظام بعد الثورة، فجوة تستحق البحث بين الخطاب السياسي الذي قُدّم للجمهور قبل قيام الجمهورية الإسلامية، وبين البناء الدستوري والسياسي الذي تكرّس لاحقًا حول ولاية الفقيه وصلاحيات المرشد.
و مع ترسيخ هذا البناء، أدى ذلك الى قمع الحريات و ظهور طوق من الاستبداد الديني اثقل كاهل المواطنين و المعارضين في ظل تسلّط رجال الدين ، و على رأسهم المرشد، تحت مظلة الولاية الفقيه المشؤومة التي اصبحت محورا للنظام السياسي في ايران.
و من هنا يطرح المقال سؤالًا أساسيًا حول المسار الذي انتقلت من خلاله ولاية الفقيه من نظرية فقهية إلى مركز أساسي للسلطة السياسية المستبدة في الدولة.
من النظرية إلى الدستور
إذا كانت ولاية الفقيه قد بدأت كنظرية فقهية، ثم تحولت في فكر الخميني إلى مشروع للحكومة الإسلامية، فإن الخطوة الحاسمة التالية كانت إدخال هذه النظرية في بنية الدولة والدستور بعد الثورة. وهنا بدأت ولاية الفقيه تتحول من فكرة فقهية إلى سلطة سياسية ودستورية فعلية.
بعد انتصار الثورة الاسلامية عام 1979، أُعدّت مسودة أولية للدستور ونُشرت في صحيفة كيهان الإيرانية آنذك، ثم أُحيلت إلى مجلس خبراء الدستور لمناقشتها. ولم تكن هذه المسودة تتضمن مبدأ ولاية الفقيه بالصورة التي ظهر بها لاحقًا في الدستور النهائي، وكانت تمنح رئيس الجمهورية والسلطات التنفيذية المرتبطة به صلاحيات واسعة.
و وفقًا لهذه المسودة، كان رئيس الجمهورية يعد أعلى سلطة في البلاد و يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة، من بينها صلاحيات مرتبطة بقيادة القوات المسلحة ، اجراء استفتاء لحل البرلمان ،اعلان العفو العام ، و اعلان الحرب و قبول السلام.
لكن مجلس خبراء الدستور، الذي بدأ أعماله في صيف عام 1979، أدخل تعديلات جوهرية على المسودة الأولية، كان من أبرزها إدراج مبدأ ولاية الفقيه ضمن بنية الدستور. وقد لعب محمد بهشتي دورًا مهمًا في الدفع بهذا المبدأ داخل المجلس، إلى جانب عدد من رجال الدين والشخصيات الإسلامية الذين اعترضوا على خلوّ المسودة الأولية من مبدأ ولاية الفقيه، ومن بينهم آية الله گلپايگاني، خوانساري، مرعشي نجفي ووحيد خراساني.
وعقب هذه الاعتراضات، وخلال أعمال المجلس في صيف وخريف عام 1979، جرى إدخال مبدأ ولاية الفقيه رسميًا إلى مشروع الدستور من قبل أنصار الخميني. وتشير المصادر التاريخية إلى أن مجلس خبراء الدستور أعاد صياغة أجزاء واسعة من المسودة الأولية، وأصبح مبدأ ولاية الفقيه أحد المحاور الأساسية في بنية النظام السياسي والدستوري الجديد.
ولم يكن الخميني بعيدًا عن هذا المسار؛ فقد كان صاحب تصور سياسي واضح لولاية الفقيه، ودافع عن مبدأ خضوع بنية الدولة لقيادة الفقيه.
وفي خطاب له في 28 شهريور 1358 (19 سبتمبر/أيلول 1979)، ألقاه أمام أفراد القوة الجوية في قم، وتضمّنه «صحيفة الإمام»، المجلد العاشر، تحدث الخميني عن «ولاية الفقيه» ودورها في الدولة الإسلامية، مؤكدًا آنذاك أن «ولاية الفقيه لا تنشئ الديكتاتورية»، على حد تعبيره.
وفي نهاية المطاف، أُدرجت ولاية الفقيه في الدستور الذي أُقر عام 1979. وهكذا لم تعد ولاية الفقيه مجرد رأي فقهي، بل أصبحت جزءًا من النظام السياسي والدستوري للدولة.
وفي الوقت نفسه، احتفظ الدستور بمؤسسات منتخبة، مثل رئيس الجمهورية ومجلس الشورى، الأمر الذي أبقى على عنصر جمهوري وانتخابي داخل النظام. لكن هذه المؤسسات لم تكن صاحبة السلطة العليا؛ إذ وُضعت إلى جانبها مؤسسات دينية ودستورية ذات صلاحيات واسعة، وعلى رأسها مجلس صيانة الدستور، الذي يؤدي دورًا أساسيًا في مراقبة القوانين والانتخابات.
ومع مرور السنوات، بدأت تظهر تناقضات بين المؤسسات المنتخبة ومؤسسات السلطة الدينية. وكان من أبرز هذه التناقضات الخلاف حول حدود سلطة الحكومة في مواجهة الأحكام الفقهية ومجلس صيانة الدستور.
يتبع
اكسر الصمت وعبّر عن رأيك