تشهد منطقة الخليج العربي هذه الأيام تصاعداً في التوترات الأمنية المرتبطة بالعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما يترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية. وقد ارتبطت هذه التوترات باتهامات متكررة لإيران بالوقوف وراء هجمات أو أنشطة نُفذت بصورة مباشرة أو عبر أطراف إقليمية حليفة، وأسفرت عن أضرار بشرية ومادية في عدد من دول الخليج العربي.
وفي ظل هذه التطورات، برزت تساؤلات قانونية مهمة حول مدى إمكانية تحميل إيران المسؤولية الدولية عن تلك الأضرار، وإمكانية تعويض الدول المتضررة من خلال الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة.
وتعزز هذه التساؤلات ما تتداوله بعض التقارير السياسية والإعلامية بشأن وجود نقاشات داخل دوائر صنع القرار الأمريكية حول دراسة استخدام جزء من الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض أضرار لحقت بدول حليفة في الخليج، أو لمعالجة تداعيات أي أضرار مستقبلية محتملة.
كما تشير هذه التقارير إلى أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت كلّف فريقاً مختصاً بإجراء تقييم لحجم الأضرار المنسوبة إلى إيران تجاه حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، ودراسة الإمكانات القانونية المتعلقة باستخدام الأصول الإيرانية المجمدة لمعالجة مثل هذه الأضرار مستقبلاً.
وعلى المستوى الدولي، شهد شهر مارس الماضي تحركاً دبلوماسياً خليجياً لافتاً عندما تقدمت مملكة البحرين، بصفتها الدولة العربية الوحيدة العضو في مجلس الأمن الدولي، بمبادرة باسم دول مجلس التعاون الخليجي أسفرت عن صدور قرار يدين الهجمات المنسوبة إلى إيران على عدد من دول الخليج والأردن. وأكد القرار احترام سيادة هذه الدول ووحدة أراضيها، واعتبر تلك الأعمال تهديداً للسلم والأمن الدوليين، كما شدد على ضرورة وقف الهجمات والالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك حماية المدنيين وضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، مع التأكيد على حق الدفاع عن السفن التجارية وفقاً لأحكام القانون الدولي.
ومن الناحية القانونية، لا يعني تجميد الأصول الإيرانية انتقال ملكيتها إلى الولايات المتحدة، إذ تبقى هذه الأموال مملوكة لإيران من حيث الأصل. ولا يجوز تحويلها أو مصادرتها لصالح أطراف أخرى إلا استناداً إلى حكم قضائي نافذ أو تشريع اتحادي خاص أو قرار دولي يجيز ذلك. ومع ذلك، فإن تطور التشريعات الأمريكية والاجتهادات القضائية خلال العقود الأخيرة أظهر إمكانية التنفيذ على بعض الأصول الإيرانية المجمدة في ظروف محددة وضمن أسس قانونية واضحة.
ويُعد قانون حصانات الدول الأجنبية الأمريكي (Foreign Sovereign Immunities Act – FSIA) الإطار القانوني الرئيسي الذي ينظم مقاضاة الدول الأجنبية أمام المحاكم الأمريكية. ويقوم هذا القانون على مبدأ الحصانة السيادية، مع استثناءات محددة أبرزها المادة 28 U.S.C. §1605A المتعلقة بالدول الراعية للإرهاب، والتي تتيح للأفراد المتضررين من أفعال معينة منسوبة إلى دول أجنبية المطالبة بالتعويض أمام القضاء الأمريكي. كما تسمح المادة 28 U.S.C. §1610 بالتنفيذ على بعض الأصول الأجنبية الموجودة داخل الولايات المتحدة في حالات استثنائية يحددها القانون.
وقد تجسد هذا الإطار القانوني في عدد من القضايا البارزة، من بينها القضايا المتعلقة بتفجير ثكنة مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في بيروت، وكذلك قضية تفجير أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية، حيث صدرت أحكام قضائية أمريكية بمليارات الدولارات ضد إيران، وتمكن بعض الضحايا من استيفاء جزء من تلك التعويضات من أصول إيرانية مجمدة داخل الولايات المتحدة.
وتبرز في هذا السياق قضية Bank Markazi v. Peterson الصادرة عام 2016 باعتبارها من أهم السوابق القانونية ذات الصلة. فقد أيدت المحكمة العليا الأمريكية دستورية قانون أصدره الكونغرس خصيصاً للسماح باستخدام أصول تابعة للبنك المركزي الإيراني لتنفيذ أحكام تعويض لصالح ضحايا الإرهاب، وهو ما أكد عملياً قدرة السلطة التشريعية الأمريكية على تخصيص أو إعادة توجيه بعض الأصول الإيرانية المجمدة لتنفيذ أحكام قضائية محددة متى توافر الأساس القانوني لذلك.
وفي ضوء السوابق القضائية الأمريكية المتعلقة بقضايا الإرهاب، والتي أُقرت فيها مسؤولية دول أجنبية وتم تمكين الضحايا الأفراد من استيفاء تعويضاتهم من أصول مجمدة، يمكن من الناحية النظرية توسيع نطاق هذا المنطق القانوني ليشمل حالات تتقدم فيها دول متضررة بمطالبات تعويض عن أضرار منسوبة إلى دولة أخرى. غير أن هذا التوسيع يظل معقداً من الناحية القانونية، إذ إن النظام القانوني الأمريكي، ولا سيما إطار قانون حصانات الدول الأجنبية (FSIA)، صُمم أساساً للتعامل مع دعاوى الأفراد ضد الدول الأجنبية، من خلال تحديد الاستثناءات الواردة على الحصانة السيادية، وليس كآلية مباشرة لتسوية مطالبات بين دولة ودولة أخرى أمام القضاء الأمريكي، خاصةً وأن المطالبات المحتملة لدول الخليج يغلب عليها الطابع السيادي والحكومي أكثر من الطابع المدني.
وعليه، فإن إمكانية مطالبة دول الخليج العربي بالتعويض من الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة تبقى مشروطة بتوافر عدة عناصر قانونية صارمة، أبرزها إثبات قيام مسؤولية دولية محددة على إيران وفق معايير الإثبات المعتمدة، وتحديد الضرر بشكل مباشر وقابل للتقييم المالي، فضلاً عن توافر أساس إجرائي يسمح بقيام صفة قانونية لهذه الدول أمام القضاء الأمريكي، وهو، على ما يبدو، لا يُعد أمراً مستقراً في هذا السياق. كما أن التنفيذ على الأصول المجمدة لا يمكن أن يتم بصورة تلقائية، بل يستلزم وجود حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ أو تشريع خاص صادر عن الكونغرس يجيز استخدام تلك الأصول في أغراض التعويض.
وبناءً على ذلك، فإن أي مسار عملي لمثل هذه المطالبات قد يمر عبر أحد خيارين: إما السعي إلى تطوير اجتهاد قضائي أمريكي جديد يوسع من نطاق قبول دعاوى الدول المتضررة في إطار استثنائي، أو الدفع باتجاه تبني تشريعات خاصة من السلطة التشريعية الأمريكية تُنشئ آلية محددة تسمح بتخصيص أو توجيه جزء من الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض دول بعينها، على نحو مماثل – من حيث المنهج التشريعي الاستثنائي – لما جرى في بعض القضايا السابقة المتعلقة بتنفيذ أحكام تعويض لصالح ضحايا الإرهاب بالنسبة للأفراد.
ولا يقتصر الأساس القانوني المحتمل لهذه المطالبات على القانون الأمريكي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى قواعد القانون الدولي العام، وخاصة مبدأ مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً كما ورد في مشروع مواد لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة. ويقضي هذا المبدأ بأن الدولة التي ترتكب فعلاً غير مشروع دولياً تتحمل مسؤولية جبر الضرر الناتج عنه، سواء من خلال التعويض المالي أو غيره من وسائل الجبر المعترف بها دولياً.
وفي هذا الإطار، يمكن للدول المتضررة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية متى توافرت شروط الاختصاص، سواء عبر موافقة الأطراف المعنية أو استناداً إلى أساس قانوني دولي قائم. وقد يشكل أي حكم أو رأي قضائي صادر عن المحكمة سنداً قانونياً مهماً يمكن الاستناد إليه لاحقاً لدعم المطالبات التعويضية أمام المحاكم الوطنية أو في المسارات الدبلوماسية والسياسية.
مع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يتطلب اتفاقاً مسبقاً بين الأطراف على اللجوء إلى المحكمة، وهو ما قد لا يكون متاحاً من جانب احد الاطراف في سياقات النزاع السياسي الحاد.
كما يمثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ايضا مساراً مكملاً يمكن الاستفادة منه في هذا الشأن. فبإمكان المجلس، متى توافرت الظروف السياسية اللازمة، إصدار قرارات، ولا سيما تحت الفصل السابع، تُحمّل دولة معينة المسؤولية عن أفعالها أو تدعو إلى تعويض المتضررين، بل ويمكنه إنشاء آليات دولية خاصة للتعويض، كما حدث عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990 عندما أنشأ مجلس الأمن نظاماً دولياً لتعويض المتضررين من ذلك الغزو. ورغم أن مثل هذه القرارات لا تؤدي تلقائياً إلى نقل ملكية الأصول المجمدة، فإنها تمنح المطالبات التعويضية دعماً قانونياً وسياسياً كبيراً يمكن الاستناد إليه في أي إجراءات لاحقة تتعلق بالتنفيذ على الأصول.
وإلى جانب ذلك، يبقى التحكيم الدولي وآليات التعويض الخاصة التي قد تنشأ بموجب اتفاقات دولية أو قرارات أممية من بين الخيارات القانونية المتاحة، وهي وسائل سبق استخدامها في عدد من النزاعات الدولية المعقدة عندما تعذر الوصول إلى تسويات مباشرة بين الأطراف المتنازعة. ولعل من أشهر قضايا التحكيم الدولي قضية مطالبات ألاباما عام 1872 بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وهي تُعد أول تحكيم دولي في التاريخ الحديث، حيث تحملت بريطانيا مسؤولية الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالولايات المتحدة بسبب السفن الكونفدرالية التي صُنعت في بريطانيا آنذاك.
وخلاصة القول، رغم الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها وزارة الخزانة الأمريكية في إدارة الأصول المجمدة وتنفيذ أنظمة العقوبات، فإن هذه الصلاحيات لا تكفي وحدها لتحويل الأموال المجمدة إلى أطراف متضررة، ولا سيما إلى دول بعينها، ما لم يستند ذلك إلى أساس قضائي أو تشريعي واضح يجيز هذا الإجراء، وذلك احتراماً لمبادئ الحصانة السيادية وقواعد الملكية المعترف بها في القانون الدولي.
وانطلاقاً من هذا الإطار القانوني، فإن فكرة تعويض دول الخليج العربي من الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة لا تمثل حقاً قائماً بصورة تلقائية، وإنما تظل احتمالاً قانونياً قابلاً للنقاش. ويستند هذا الاحتمال إلى منظومة متشابكة من السوابق القضائية الأمريكية، وقواعد المسؤولية الدولية، والخيارات التشريعية المتاحة داخل الولايات المتحدة. ومن ثم، فإذا تمكنت الدول المتضررة من إثبات مسؤولية إيران القانونية عن الأضرار التي لحقت بها، وصدر حكم قضائي أو تشريع أمريكي يجيز التنفيذ على الأصول الإيرانية المجمدة، فإن استيفاء التعويضات من تلك الأصول قد يصبح أمراً ممكناً من الناحية القانونية، وإن ظل ذلك في نهاية المطاف مرتبطاً بالاعتبارات السياسية والتشريعية وتطور الظروف الدولية.

اكسر الصمت وعبّر عن رأيك